العالم

تشير الأجواء والنتائج الأولية المحيطة بانتخابات الكنيست الإسرائيلي، على ما يبدو، إلى نجاة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من سقوط انتخابي مدو، حتى رغم عدم تحقيقه أغلبية تمنحه فرصة لتشكيل حكومة يمينية، تضم الأحزاب التي كانت متحالفة معه قبل الانتخابات.
وبعد نتائج شبه نهائية للانتخابات فإن حزب "الليكود" الذي يرأسه لا يزال الأكبر تمثيلاً في الكنيست، بعد حصوله على 26 مقعدًا بانخفاض 6 مقاعد عن الانتخابات السابقة، كما أن كتلته الأكبر في الكنيست بحصولها على 53 مقعدًا، على بعد 8 مقاعد من أقل عدد لازم لتشكيل الحكومة.
وفي حين حصلت كتلة المعارضة على 48 مقعدًا في الكنيست، وحصل زعيم هذه الكتلة غادي آيزنكوت على 21 مقعدًا لتمثيل حزبه "يشار"، ما يجعله مضطرًا إذا ما أراد تشكيل الحكومة للتحالف مع القائمتين العربيتين في الكنيست اللتين حصلتا على التمثيل الأكبر في تاريخهما بـ19 مقعدًا.
وجاءت هذه النتائج التي قد تتغير بشكل طفيف مع بدء فرز "المظاريف المزدوجة" خلافًا لاستطلاعات الرأي التي سبقت الانتخابات والتي كانت تمنح كتلة المعارضة تمثيلاً أوسع، وتمنح حزب آيزنكوت الحصة الأكبر.
وتعكس نتائج الانتخابات تجنب نتنياهو لخطر نهاية كارثية لمسيرته السياسية، وإفلاته من تداعيات سيل الأزمات التي لاحقته قبل الانتخابات، بدءًا من الفشل في إحباط هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مرورًا باتهامه بافتعال مواجهة مع إيران لتأجيل الانتخابات.
وتقول شبكة (CNN) الأمريكية إنه "في مسيرة سياسية امتدت لأكثر من 3 عقود، وُصِف نتنياهو بالفشل مرات لا تُحصى، ليثبت في النهاية أن نعوات مسيرته كُتبت قبل أوانها، ويبدو أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية هذا الأسبوع تُعطي خصوم رئيس الوزراء فرصة لإنهاء مسيرته، لكن في ظل النظام السياسي القاسي في البلاد، لا يُعدّ ذلك ضمانًا".
وتضيف: "لم ينتصر نتنياهو بعد، لكنه لم يخسر أيضًا، وعليه أن يمنع منافسيه من تشكيل حكومتهم الخاصة، وقد ينجو من جديد".
أزمة المعارضة
وتشير إلى أنه نظرياً، تمتلك المعارضة نحو 67 مقعدًا، لكن هذه الأرقام تتأثر بالتنافسات الأيديولوجية والوطنية والشخصية بين أحزاب معسكر المعارضة.
ودعا يائير غولان، زعيم حزب الديمقراطيين اليساري، شركاءه إلى اعتبار الأحزاب العربية جزءًا من الكتلة، رافضًا ما وصفه بـ"التقسيم العنصري الذي يمارسه نتنياهو بين الأصوات اليهودية والعربية".
لكن اثنين من حلفاء آيزنكوت اليمينيين، هما نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، عارضا أي حكومة تعتمد على الأحزاب العربية، في حين أعلنت "القائمة المشتركة" يوم الأربعاء أنها مستعدة للتعاون السياسي و"بذل كل ما في وسعها لإنهاء حكم نتنياهو".
ماذا سيفعل نتنياهو؟
وقال مصدر مقرب من نتنياهو للشبكة الأمريكية إن "هدفه الرئيسي بعد الانتخابات هو نزع الشرعية عن التعاون السياسي اليهودي العربي، وبالتالي منعه، والذي قد يؤدي إلى عودته إلى منزله".
وأضاف المصدر: "نتنياهو قلق للغاية بشأن تشكيل حكومة أقلية يسارية، بل إن نتنياهو يعتزم الضغط على نواب المعارضة بشكل فردي لعدم التعاون مع الأحزاب العربية".
وبعد حملة انتخابية شرسة ضدها طوال فترة الانتخابات، أصدر حزب الليكود بيانًا يوم الأربعاء يتهم فيه الأحزاب العربية بـ"سرقة الانتخابات" عن طريق الرشوة والتهديدات والعنف والتزوير.
من جانبها، قالت "اللجنة المركزية للانتخابات"، الأربعاء إنها تدرس الشكوى، لكن اللجنة كانت قد رفضت بالفعل آلاف الشكاوى من مختلف الأحزاب يوم الانتخابات.
وقال مصدر للشبكة إن "نتنياهو يخطط لتحييد هذا الاحتمال بكل الوسائل، بما في ذلك شن هجوم على إيران أو الاستعانة بالرئيس الأمريكي ترامب للتدخل في السياسة الإسرائيلية نيابة عنه".
وتخشى المعارضة من أن يستغل نتنياهو أزمة أمنية لعرقلة تشكيل حكومة جديدة أو منعها.
وقبل الانتخابات، ضغط نتنياهو على ترامب لشن هجوم مشترك على إيران، لكن واشنطن امتنعت عن ذلك، ويعود ذلك جزئيًا إلى تحذير رئيس الأركان العامة الإسرائيلي، إيال زامير، من أن ذلك قد يُؤثر على سير العملية الانتخابية.
وصرح مصدر أمني إسرائيلي للشبكة بأن الخطط العملياتية جاهزة وتنتظر موافقة ترامب، ربما بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي.
من جهته، قال مصدر معارض للشبكة الأمريكية: "لا سبيل لمعرفة ما سيفعله نتنياهو، نحن ندرك أنه قد يحاول الضغط من أجل تصعيد الموقف".
وأضاف مصدر آخر أن نتنياهو "سيفعل كل ما في وسعه للبقاء في منصبه كرئيس للوزراء، بما في ذلك إثارة الفوضى الداخلية والخارجية".
ودعا آيزنكوت، الرئيس السابق لهيئة أركان جيش الدفاع الإسرائيلي، قادة الأمن الإسرائيليين مساء الثلاثاء، إلى تذكر أن "نتنياهو رئيس وزراء مؤقت، بلا تفويض ولا ثقة شعبية".
ماذا بعد؟
يتوقع أن تنتهي "لجنة الانتخابات المركزية" من فرز معظم الأصوات، بحلول مساء الخميس، بعد فرز "المظاريف المزدوجة" التي تشمل أصوات الجنود والسجناء ومرضى المستشفيات وموظفيها والدبلوماسيين في الخارج والناخبين ذوي الإعاقة.
وتُقدّر اللجنة عدد المظاريف المزدوجة بما بين 430 ألفًا و480 ألف مظروف، وهو عدد كافٍ لأكثر من 10 مقاعد، ويتم فرز هذه المظاريف بشكل منفصل ضمن عملية تدقيق خاصة، ومن المتوقع إعلان النتائج النهائية يوم الخميس، ثم تبدأ المناورات السياسية بجدية.
وتتمثل الخطوة التالية في تولي الرئيس إسحاق هرتسوغ زمام المبادرة، إذ يُعد دوره بعد الانتخابات محوريًا، وتتمثل مهمته في التشاور مع جميع الأحزاب المنتخبة بشأن المرشح الذي توصي به لمنصب رئيس الوزراء، قبل اختيار المرشح الذي يعتقد أنه الأجدر بتأمين أغلبية 61 مقعدًا.
ولا يُشترط أن يكون هذا المرشح زعيم الحزب الأكبر، بل المرشح الذي يمتلك المسار الأنسب لتشكيل ائتلاف حكومي، ومن المرجح أن يحصل آيزنكوت على توصيات أكثر من نتنياهو، حيث من المتوقع أن تدعمه الأحزاب العربية.
وأمام المرشح المختار 28 يومًا، مع إمكانية تمديدها 14 يومًا إضافية، للتفاوض مع الأحزاب الأخرى بشأن المناصب الوزارية والميزانيات والسياسات لتشكيل حكومة، وإذا فشل، تنتقل الولاية إلى مرشح آخر لمدة أربعة أسابيع أخرى، وإذا فشل هو الآخر، يُمنح الكنيست مهلة قصيرة لتقديم مرشح بديل، وفي حال فشله يُحل الكنيست تلقائيًا وتُجرى انتخابات جديدة.
خيارات أيزنكوت
ولم تنتهِ خيارات آيزنكوت تماماً، وحتى بدون تشكيل حكومة، لا يزال بإمكان المعارضة استغلال أغلبيتها البرلمانية لاستبدال رئيس الكنيست ومناصب رئيسية أخرى، وهذا من شأنه أن يحد من قدرة نتنياهو على الحكم، بل وقد يمكّن المعارضة من تمرير التشريعات.
لكن آيزنكوت، وهو لواء متقاعد، ليس في ساحة المعركة التي يفضلها، فائتلاف نتنياهو لا يزال يتمتع بولاء كبير، وبعيد عن خطر حدوث الانشقاقات، أما آيزنكوت، فلا ينطبق عليه الأمر نفسه، فائتلافه المتنوع أقل تقاربًا أيديولوجيًا، وأي خطوة صغيرة قد تؤدي إلى تفككه وإعادة البلاد إلى الانتخابات.
في الوقت الراهن، ينصبّ التركيز على هرتسوغ، الذي يكتسب دوره أهمية بالغة في ظلّ الجمود الحالي، فمع عدم امتلاك أيٍّ من الكتلتين أغلبية واضحة، قد يحاول هرتسوغ الضغط على نتنياهو وآيزنكوت لتشكيل حكومة وحدة وطنية.
وقال هرتسوغ يوم الأربعاء: "يجب أن نبذل كل ما في وسعنا لتجنب جولة أخرى من الانتخابات". ودعا قادة الأحزاب إلى المشاركة في المشاورات بعقلية منفتحة.



