العالم

بعد عقودٍ طويلة من ارتباط العلاقات الأمريكية–الباكستانية بالمساعدات الأمنية والتعاون العسكري، يبدو أن الطرفين بصدد كتابة فصلٍ جديد من تحالفهما، عنوانه المعادن الاستراتيجية والطاقة والتكنولوجيا.
ففي لحظة تتسارع فيها المنافسة العالمية على المعادن النادرة، العمود الفقري للاقتصاد التكنولوجي الحديث، اكتشفت واشنطن في باكستان فرصة لإعادة تعريف شراكتها مع شريكٍ طالما وصفته بـ"الحليف الصعب" في جنوب آسيا.
كما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرًا أن التعاون مع باكستان في مجال المعادن الأساسية يمثل "أولوية استراتيجية"، مؤكدًا أن هذا التعاون يمكن أن يعود بالفائدة على البلدين معًا.
وبحسب صحيفة "آسيا تايمز"، يأتي ذلك وسط قيودٍ فرضتها الصين على صادرات المعادن النادرة، ما جعل واشنطن تسعى بقوة لتنويع مصادرها في هذا القطاع الحساس.
وفي المقابل، لم تعد باكستان ترى نفسها دولة متلقية للمساعدات، بل شريكًا استثماريًا قادرًا على استغلال ثرواتها المعدنية الضخمة في إعادة بناء اقتصادها وتحسين موقعها الجيوسياسي.
الكنز المخفي
تُعد باكستان من أكثر الدول الغنية بالموارد المعدنية غير المستغلة، إذ تشير التقديرات إلى أن موقع ريكو ديك في إقليم بلوشستان وحده يحتوي على نحو 5.9 مليار طن من خام النحاس والذهب، وهو من أكبر الرواسب غير المطورة في العالم.
كما تُقدّر وكالات الاستخبارات الأمريكية القيمة الإجمالية للمعادن الأرضية النادرة في باكستان بما بين 4 و5 تريليونات دولار، تقع أغلبها في إقليمي بلوشستان وخيبر بختونخوا، ما يجعلها هدفًا رئيسيًا في سباق السيطرة على الموارد الحرجة.
هذا التحول من "اقتصاد المساعدات" إلى "اقتصاد الموارد" تجسّد في توقيع مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وباكستان في سبتمبر الماضي، بحضور شركة المعادن الاستراتيجية الأمريكية (USSM) ومنظمة أعمال الحدود الباكستانية.
ووصفت القائم بالأعمال الأمريكية، ناتالي بيكر، الاتفاق بأنه "نموذج جديد لقوة العلاقات الثنائية"، مؤكدة أن التعاون في التعدين والمعادن يمثل مستقبل الشراكة بين البلدين.
وتسعى واشنطن من خلال هذه الشراكة إلى ضمان إمدادات مستدامة للمعادن الحيوية المستخدمة في الصناعات الدفاعية والتقنيات المتقدمة، فيما ترى إسلام آباد فيها مدخلًا لجذب الاستثمارات الأجنبية والتكنولوجيا الأمريكية لإحياء قطاع التعدين المتعثر.
جغرافيًا، تقع باكستان في موقعٍ يجعلها حلقة وصل بين جنوب آسيا ووسطها، وهو ما يمنحها قيمة استراتيجية كبرى في أي محاولة أمريكية لتقليل الاعتماد على الصين.
لكن الأهم من الجغرافيا هو الزخم السياسي الجديد الذي اكتسبته العلاقات الثنائية؛ فبعد سنوات من الفتور، عاد الدفء تدريجيًا إلى القنوات الدبلوماسية، مدعومًا بإشادات متبادلة بين الرئيس ترامب ورئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير.
هذا التقارب تُرجم إلى استثمارات أمريكية مباشرة بقيمة 500 مليون دولار في مشاريع المعادن والطاقة، وإلى خطط باكستانية لعقد مؤتمر استثماري خاص بالمستثمرين الأمريكيين في نهاية أكتوبر، في محاولة لتكريس الثقة المتبادلة واستقطاب الشركات الكبرى إلى قطاع التعدين.
ويبدو أن القيادة الباكستانية عازمة على الخروج من دوامة الأزمات الاقتصادية التي عاشتها البلاد لعقود؛ فبعد نجاتها من حافة التخلف عن السداد عام 2023 بفضل دعم صندوق النقد الدولي، تعمل الحكومة على تحويل الاستقرار المالي إلى نمو مستدام عبر التركيز على تصدير الموارد المعدنية واستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية.
تحالف جديد
التحول الجاري بين واشنطن وإسلام آباد لا يُمكن وصفه فقط بأنه تعاون اقتصادي، بل هو إعادة تموضع استراتيجي في قلب المنافسة العالمية على الموارد.
فالولايات المتحدة تبحث عن شراكات موثوقة لتأمين سلاسل توريدها من المعادن الحيوية بعيدًا عن الصين، بينما ترى باكستان في هذا الانفتاح فرصة لإعادة بناء اقتصادها وتنويع شركائها الدوليين.
بهذا المعنى، تتحول العلاقة بين البلدين من تحالفٍ قائم على المساعدات الأمنية إلى شراكة متبادلة المصالح في مجالات المعادن والطاقة والتكنولوجيا، ما يمنحها طابعًا أكثر استدامة وتوازناً.
وإذا نجح هذا المسار، فإن باكستان قد تجد نفسها ليس فقط على خريطة التعدين العالمية، بل أيضًا كفاعل رئيسي في النظام الاقتصادي الجديد للمعادن الاستراتيجية، وهو تحول قد يرسم ملامح حقبة جديدة في العلاقات الأمريكية–الباكستانية، تتجاوز حدود الأمن إلى قلب الاقتصاد العالمي القادم.
اخبار لبنان
اخبار لبنان
اخبار لبنان