العالم

لثلاثة عقود تقريباً، اختارت المحامية الطموحة ميريام غونزاليس دورانتيز مراقبة كواليس الحياة السياسية من المقاعد الخلفية، شريكةً لزوجها، نيك كليغ، الذي احتل واجهة المشهد السياسي البريطاني نائباً لرئيس الوزراء.
اليوم، وبعد أن غادر كليغ أروقة السياسة اللندنية ليسلك طريق "وادي السيليكون" كمسؤول رفيع في شركة "ميتا"، قررت غونزاليس قلب المشهد رأساً على عقب وخروج "السيدة الأولى" السابقة من الظل، لتبدأ رحلتها الخاصة في معترك السياسة، مطيرةً بأحلامها هذه المرة صوب بلدها الأم إسبانيا، حيث تسعى جاهدة لنقل نموذج وضوابط "الشفافية البريطانية" إلى العاصمة مدريد.
كشفت صحيفة "إيل باييس" أن المحامية الإسبانية الشهيرة سجّلت رسمياً حزباً سياسياً جديداً، لكن المقربين منها يُلطّفون الأمر: "مجرد إجراء إداري". لكن القرار الحقيقي بالمنافسة في الانتخابات العامة المقررة عام 2027 لن يُتخذ قبل نهاية الصيف، غير أنه في السياسة الإسبانية المضطربة، حتى "الإجراء الإداري" يُحدث ضجة.
نشأت غونزاليس، المولودة عام 1968 في بلدة أولميدو، على إيقاع التحولات الكبرى؛ إذ كانت في السابعة من عمرها حين طُويت صفحة دكتاتورية فرانسيسكو فرانكو. رسمت مسارها الأكاديمي بدراسة القانون في جامعة "بلد الوليد"، قبل أن تلتقي شريك حياتها في الكلية الأوروبية بـ"بروج" أثناء دراسة الماجستير.
ورغم ارتباط اسمها برجل سياسة بارز، إلا أن مسيرتها المهنية صُنعت بجهدها المستقل، حيث برزت كمستشارة تجارية أولى لدى المفوضية الأوروبية تحت إشراف ليون بريتان ثم كريس باتن، إلى جانب قضائها عامين كمفاوِضة شرسة في منظمة التجارة العالمية.
هذا الاعتزاز بكيانها المستقل تجسّد علناً عام 2017، حين وُجهت لها دعوة لإلقاء خطاب في يوم المرأة العالمي تحت اسم "السيدة كليغ"، لتنتفض محتجة: "إنها مفارقة صارخة أن تصلني دعوة باسم زوجي، في يومٍ خُصص أساساً للاحتفاء بنجاح المرأة واستقلاليتها".
المحطة الفاصلة جاءت عام 2023، حين أسّست حراك "إسبانيا أفضل"، وهي منظمة غير ربحية تسعى لإصلاح الحياة السياسية. أرسلت في 2025 قانوناً أخلاقياً من 99 مادة مستوحى من التجربة البريطانية إلى 400 مؤسسة إسبانية من مختلف التوجهات، لكن لم يُوقّع عليه أي منها"، "يستقبلوننا جميعاً ويقولون كلاماً جميلاً، لكنهم لا يطبقون شيئاً"، قالت للباييس.
من أبرز مقترحاتها: إلزام المسؤولين بالتعهد كتابياً بعدم الكذب على البرلمان، تماماً كما يفعل "الدليل الوزاري البريطاني". مقارنة تقصد منها غونزاليس دلالة محددة: رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون سقط؛ لأنه كذب على البرلمان بشأن حفلات الوباء. في إسبانيا، آليات المحاسبة المماثلة تكاد تغيب.
المشهد الإسباني يُغري المبادرة. حزب "سيودادانوس" الليبرالي الوسطي انهار بعد أن بلغ 16% في انتخابات 2019 ولم يخض انتخابات 2023. 22.2% من الإسبانيين يُعرّفون أنفسهم بالوسطيين وفق المسح الوطني للإحصاء، وفق ما نقله التيليغراف. وجماعة "رينيو" الليبرالية الأوروبية - التي ينتمي إليها حزب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون - أجرت محادثات مع غونزاليس لإقناعه بتأسيس جناح إسباني لها.
لكن المشككين موجودون، فبابلو سيمون، المحلل السياسي في جامعة كارلوس الثالث، قال للغارديان: "هذا المشروع يأتي من الأعلى لا من القاعدة. لحظته سيئة؛ لأن الغاضبين من الحكومة يتجهون نحو اليمين والأحزاب القائمة، لا الأحزاب الجديدة". وأضاف: "غونزاليس مجهولة كبيرة في إسبانيا. ربما تصلح نائبة أكثر من رئيسة حزب".
لا تُلقي غونزاليس اللوم على رئيس الوزراء الإسباني بيترو سانشيز وحده، فحزب الشعب اليميني يعاني هو الآخر من فضائح الفساد التاريخية. "لم يُقدّم أي منهما مقترحات حقيقية لمكافحة الفساد. لماذا؟ لأن كليهما يمثلان الوضع القائم"، كما قالت للتيليغراف.
تُقارن بين موقف زوجها حين كان نائب رئيس وزراء وموقف زوجة رئيس وزراء إسبانيا: "ما تعرضت له بيغونيا غوميز من جمع التبرعات من الشركات لأغراضها المهنية لم يكن ليحدث في المملكة المتحدة".
الأرقام تُشجّع، والعقبات حقيقية، فالنظام الانتخابي الإسباني غير متناسب في كثير من الدوائر. التاريخ يُحذّر: كل حزب وسطي حاول كسر الثنائية القطبية في البلد انتهى بالاندثار. لكن المشهد الإسباني اليوم - حكومة أقلية تتعثر، وتطرف يصعد من اليمين واليسار - أكثر انفتاحاً من أي وقت مضى على صوت آخر، والقرار النهائي ينتظره الجميع.
ثقافة ومجتمع
متفرقات
متفرقات
الذكاء الإصطناعي