Daily Beirut
الطبعة·صحيفة مستقلة من بيروت

ثقافة ومجتمع

دراسة تكشف أخطاء في تحديد زيت الزيتون في الفخار القديم بالبحر المتوسط

دراسة جديدة تقودها جامعة كورنيل تكشف أن خصائص تربة البحر المتوسط قد أدت إلى خطأ في التعرف على زيت الزيتون في الفخار القديم.

··قراءة 5 دقائق
دراسة تكشف أخطاء في تحديد زيت الزيتون في الفخار القديم بالبحر المتوسط
مشاركة

أظهرت دراسة حديثة بقيادة جامعة كورنيل أن الكيمياء الخاصة بتربة منطقة البحر المتوسط قد تكون السبب في تضليل علماء الآثار بشأن تحديد وجود زيت الزيتون في الأواني الفخارية القديمة. إذ يُستخدم اكتشاف آثار زيت الزيتون في الفخار القديم لتفسير شبكات التجارة، وأنماط الزراعة، والعادات المنزلية، وقوة الاقتصاد في تلك المناطق.

لكن فريقًا متعدد التخصصات من جامعة كورنيل، ضم متخصصين في الكلاسيكيات وعلوم الأغذية والهندسة، وجد أن بقايا الزيوت النباتية لا تبقى بشكل جيد في التربة الكلسية المنتشرة في البحر المتوسط. وهذا الأمر مهم لأن علماء الآثار غالبًا ما يعتمدون على البقايا الكيميائية في الفخار لتحديد زيت الزيتون، وقد تكون بعض هذه البقايا قد فسرت خطأً على أنها زيت زيتون، أو خلطت مع زيوت نباتية أخرى، أو حتى اعتُبرت دهنًا حيوانيًا.

نشرت نتائج الدراسة في مجلة العلوم الأثرية.

تحديات تحليل بقايا الزيوت القديمة

بدأ المشروع عام 2019 مع الباحثة ريبيكا جيردس، التي كانت طالبة دكتوراه في قسم الكلاسيكيات بكلية الآداب والعلوم. جيردس، التي درست الكيمياء في المرحلة الجامعية، رغبت في دمج معرفتها الكيميائية مع علوم الآثار.

قالت جيردس، التي تشغل حاليًا منصب باحثة ما بعد الدكتوراه في معهد كورنيل للآثار ودراسات المواد: "عادةً ما أصف عملي بأنني أغسل أطباقًا أثرية قديمة، وأجمع سائل الغسيل، وأستخدم الجزيئات الموجودة فيه لأفهم كيف كان الناس يستخدمون أوانيهم".

تحليل البقايا العضوية هو جزء معتمد في علم الآثار، إذ يمكن للخبراء دراسة آثار جزيئية دقيقة في الحاويات القديمة. لكن جيردس لاحظت أن العديد من الادعاءات المتعلقة بزيت الزيتون في فخار شرق البحر المتوسط تستند إلى فرضيات لم تُختبر تجريبيًا في تربة المنطقة.

وبناءً على توصية رئيس لجنة الدكتوراه، البروفيسور ستورت مانينغ، قررت جيردس أن الخطوة الأولى لا تكمن في الإجابة على سؤال تاريخي، بل في تعزيز منهجية التحليل نفسها.

قالت: "كنت أدرك في بداية دراستي أن هناك الكثير من الادعاءات حول ما وُجد في الأواني في شرق البحر المتوسط، وكان هناك مجال كبير لدعم هذه الادعاءات بتجارب أكثر صلابة. أردت الإجابة على أسئلة أثرية شيقة، لكنني أدركت أنني بحاجة لتطوير المنهج أولاً".

تأثير التربة على بقايا الزيوت

تعاونت جيردس مع فريق هندسي بقيادة الدكتورة جيليان جولدفارب، أستاذة الهندسة الكيميائية والبيومولكولية في كلية الهندسة. يدرس مختبر جولدفارب تحلل النفايات العضوية وتحويلها إلى وقود حيوي، مما وفر أدوات يمكن تكييفها لتحليل بقايا الطعام القديمة.

نظرًا لظروف جائحة كورونا، لم تتمكن جيردس من السفر إلى قبرص لأخذ عينات من التربة بنفسها، فتم إرسال تربة البحر المتوسط إلى مختبر صحة التربة في كلية الزراعة والعلوم الحياتية في كورنيل، حيث جرى تعقيمها وتحضيرها للدراسة.

ساعد مدير المختبر، بوب شيندلبك، في فهم تأثير كيمياء التربة على بقاء البقايا في الفخار. أعدت جيردس تجربة مخبرية لاختبار تأثير أنواع مختلفة من التربة على تحلل بقايا الطعام.

بدأت التجربة باستخدام أقراص خزفية صغيرة مصنوعة من طين الفخار، شبيهة بلعب الأطفال "بلاي-دو". جرى حرق هذه الأقراص في فرن أنبوبي، ثم غمرها في زيت الزيتون ودفنها في نوعين من التربة الرطبة: الأولى من حقل زراعي في نيويورك، والثانية من قبرص، والتي تم اختيارها لتطابق ظروف موقع أثري وجمعت بواسطة ثيلو ريرين من معهد قبرص.

أوضحت جيردس أن هذه التربة شائعة جدًا في شرق البحر المتوسط، وتؤثر على فترات تاريخية مهمة، خصوصًا في أزمنة مثل العصر البرونزي المتأخر (حوالي 1650-1100 قبل الميلاد)، التي تركز الدراسة عليها.

لتسريع عملية التحلل، وُضعت العينات في حاضنات بدرجة حرارة 50 مئوية لمدة تصل إلى عام كامل، ثم جرى استخراج بقايا زيت الزيتون لتحليل الجزيئات المحفوظة.

قالت جيردس: "تمكنا من إجراء التجربة في المختبر بسرعة، فلم نكن مضطرين للانتظار 3000 عام لإنهاء دراستي".

تشابه زيت الزيتون مع الدهون الحيوانية

أظهرت النتائج أن تربة قبرص الكلسية والقلوية أثرت على سجل البقايا، حيث أظهرت الأقراص الخزفية المدفونة فيها بقايا زيت زيتون أقل وفقدت مؤشرات حمض الديكاربوزيليك، مقارنة بالأقراص المدفونة في التربة الحمضية المعتدلة في نيويورك.

يشكل هذا الفقد الكيميائي تحديًا في تفسير النتائج، إذ يتشابه تركيب زيت الزيتون مع زيوت نباتية أخرى، وعندما يتحلل يصبح من الصعب تمييزه وقد يشبه الدهون الحيوانية.

قالت جيردس: "هناك رغبة واضحة بين علماء الآثار في تصديق أنهم وجدوا زيت الزيتون لأنه منتج اقتصادي مهم في البحر المتوسط، فإذا وُجدت جزيئات تطابق زيت الزيتون، يفترض أنهم وجدوا زيت الزيتون. لكن المشكلة أن تركيب زيت الزيتون يتداخل مع زيوت نباتية أخرى، وعندما يبدأ في التحلل، يصبح الأمر أكثر تعقيدًا ويشبه الدهون الحيوانية".

تعاون متعدد التخصصات لتطوير المنهجية

بالنسبة لجيردس، كانت النتائج مهمة، لكن طريقة التعاون بين التخصصات كانت ذات أهمية مساوية. استند العمل إلى شبكة من الباحثين في كورنيل من تخصصات مختلفة تتجاوز علم الآثار الكلاسيكي.

استخدم الفريق مختبرات مجموعة شريدير البحثية في معهد بويز تومسون، وساعد جو ريجنشتاين، أستاذ علوم الأغذية المتقاعد وعضو لجنة دكتوراه جيردس، في تطوير عملية استخراج البقايا العضوية. كما تكيفت مجموعة جولدفارب مع تقنيات الهندسة الكيميائية من أبحاث الوقود الحيوي لقياس البقايا. وساعد مركز كورنيل لأبحاث المواد في التعامل الآمن مع عينات الفخار المسحوق، بينما قام مختبر النظائر المستقرة بتنظيف الأدوات الزجاجية.

شارك في المشروع أيضًا طلاب جامعيون هم هانا ويندت، وملك أبو هاشم، وآفري ويليامز. ووفقًا لجولدفارب، اضطر الطلاب وأعضاء هيئة التدريس للعمل عبر مجالات مختلفة لتطوير لغة مشتركة وتوقعات وأهداف موحدة.

يشير هذا التعاون إلى فرصة أوسع لكورنيل لتصبح مركزًا متعدد التخصصات رائدًا في مجال علم الآثار الجزيئي الحيوي.

قالت جولدفارب: "نرغب حقًا في بناء مركز تحليلي لهذا المجال. نفكر في كيفية مساهمة المهندسين والعلماء في تطوير منهجيات جديدة وتطبيق مهاراتنا الأساسية والتطبيقية في مجالات معرفية جديدة. وكل ذلك بدأ مع طالبة مميزة – أصبحت الآن باحثة ما بعد الدكتوراه – لإطلاق هذه المحادثات".

المصدر: "تجاهل السياق البيئي يؤدي إلى خطأ في تحديد زيت النبات القديم في بقايا عضوية بمنطقة البحر المتوسط" لريبيكا جيردس وزملائها، 24 نوفمبر 2025، مجلة العلوم الأثرية.

رقم التعريف الرقمي: 10.1016/j.jas.2025.106426

حصل البحث على دعم من المؤسسة الوطنية للعلوم، وقسم الكلاسيكيات في كورنيل، ومعهد كورنيل للآثار ودراسات المواد، ومبادرات التعلم الهندسي، ومركز ماريو إيناودي للدراسات الدولية، ومعهد الدراسات الأوروبية، والجمعية الأمريكية للبحوث الخارجية.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة