صحّة
فيتامين سي لا يمنع نزلات البرد — دراسة تُظهر تأثيرًا هامشيًّا فقط في شدة
تحليلٌ علميٌّ لنتائج عدّة دراسات تؤكد أن تناول فيتامين سي بانتظام لا يقلل خطر الإصابة بنزلات البرد، بل قد يخفف شدة الأعراض الشديدة بنسبة 15% فقط في ظروف محددة.

لا توجد أدلة تدعم فكرة أن تناول فيتامين سي يمنع الإصابة بنزلات البرد. وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن أي تأثير له على نزلات البرد يكون محدودًا جدًّا، ويقتصر على تخفيف شدة الأعراض الشديدة — وليس مدة الأعراض الخفيفة — وبشرط أن يُؤخذ بانتظام قبل بدء المرض.
الخلفية التاريخية للادعاء
يعود انتشار الاعتقاد الشائع بأن فيتامين سي يحمي من نزلات البرد إلى كتاب صدر عام 1970 للكيميائي الأمريكي لينوس باولينغ، الحائز على جائزتي نوبل: الأولى في الكيمياء عام 1954، والثانية للسلام عام 1962. وعلى الرغم من عدم تخصصه في التغذية أو الأمراض المعدية، نشر باولينغ كتابًا عن فيتامين سي ونزلات البرد، يُنسب إليه الفضل في دفع مبيعات المكملات الغذائية لهذا الفيتامين نحو ارتفاع حاد ما زال يؤثر في سلوك المستهلكين حتى اليوم.
في الكتاب، أوصى باولينغ بتناول ما بين 1000 و2000 مليغرام من فيتامين سي يوميًّا للحفاظ على الصحة العامة، وكميات أكبر لمنع نزلات البرد. واستندت توصياته الأولية إلى دراسة ذات شواهد وهمية أُجريت على أطفال في معسكر تزلج في جبال الألب السويسرية، ثم حلَّل بعد ذلك أربع دراسات إضافية نُشرت لاحقًا.
نقد علمي لتفسير باولينغ للأدلة
وقد واجه تفسير باولينغ للبيانات انتقادات واسعة النطاق، تركزت في ثلاث نقاط رئيسية: وجود أخطاء رياضية في تحليله، والاعتماد على أربع دراسات منخفضة الجودة منهجيًّا، والإفراط في التأكيد على نتائج الدراسة الوحيدة التي أُجريت على الأطفال دون مراعاة قيودها.
وبالمقارنة مع الدراسات اللاحقة، فإن الاستنتاجات التي توصل إليها باولينغ تجاوزت حدود ما تسمح به الأدلة المتاحة وقتها، وهو ما أكدته مراجعات علمية لاحقة أجريت باستخدام منهجيات أكثر دقة وشمولًا.
ما تقوله التحليلات التجميعية الحديثة
في تحليل تجميعي نُشر عام 2023، جمع باحثون نتائج عشر تجارب سريرية ذات شواهد وهمية لفحص تأثير فيتامين سي على شدة ومدة نزلات البرد. وشملت هذه التجارب 2736 شخصًا أصحاء من البالغين والأطفال والرياضيين، جميعهم تناولوا يوميًّا ما لا يقل عن 1000 مليغرام من فيتامين سي — وليس فقط عند ظهور الأعراض.
وأظهر التحليل أن المشاركين الذين تناولوا فيتامين سي سجّلوا انخفاضًا بنسبة 15% في شدة الأعراض الشديدة مقارنةً بمجموعة الضابطة. وقد عبّر الباحثون عن هذا الانخفاض بعدد الأيام التي «تحوّل فيها الشخص إلى البقاء داخل المنزل»، وهي معيار اعترف المؤلفون بأنه يحمل قيودًا منهجية. أما بالنسبة للأعراض الخفيفة، فلم يُسجَّل أي تأثير لفيتامين سي على مدتها.
أما التحليل التجميعي الآخر الذي نُشر عام 2013، فقد ركّز على جرعات أقل (حوالي 200 مليغرام يوميًّا)، وأظهر أنه لا يوجد انخفاض في عدد حالات نزلات البرد لدى عامة السكان. لكنه سجّل انخفاضًا في عدد الحالات لدى الرياضيين والعسكريين. كما أظهر انخفاضًا في شدة الأعراض بنسبة تتراوح بين 8% و14% لدى الأطفال والبالغين الذين تناولوا فيتامين سي بانتظام، بينما لم يُسجَّل أي فائدة عند تناوله بعد بدء الأعراض.
التقييم النهائي لفعالية فيتامين سي
وبناءً على هذين التحليلين التجميعيين، فإن توصيات باولينغ الأصلية مبالغ فيها. ولا توجد أي أدلة تشير إلى أن تناول فيتامين سي يقلل من خطر الإصابة بنزلات البرد. وهناك أدلة محدودة تشير إلى أنه قد يقلل من مدة الأعراض الشديدة بنسبة متوسطها 10% فقط. فمثلًا، إذا استمرت الأعراض الشديدة خمسة أيام، فإن التأثير يتراوح حول 12 ساعة؛ وإذا استمرت 24 ساعة، فإن التخفيض يبلغ نحو ساعتين ونصف.
أما تناول فيتامين سي بعد ظهور الأعراض فلا يحقق أي تأثير ملحوظ. والشرط الأساسي لتحقيق أي فائدة هو تناوله بانتظام، أي قبل الإصابة بالمرض.
الجرعات العالية ومخاطرها الصحية
تتراوح التوصية اليومية بفيتامين سي في أستراليا للبالغين فوق سن 19 عامًا عند 45 مليغرامًا يوميًّا. أما توصية باولينغ البالغة 1000–2000 مليغرام يوميًّا فهي أعلى بكثير من هذه القيمة، وتقترب من الحد الأعلى المسموح به حاليًّا. فبينما لم تحدد أستراليا حدًّا علويًّا رسميًّا بسبب ضعف الأدلة، فإن الإرشادات تستند إلى توصيات خبراء آخرين بعدم تجاوز 1000 مليغرام يوميًّا للبالغين. وفي الولايات المتحدة، يبلغ الحد الأعلى المسموح به 2000 مليغرام يوميًّا.
وتتضمن المخاطر المرتبطة بالجرعات العالية من فيتامين سي (أكثر من 1000 مليغرام يوميًّا) ما يلي: مشاكل في الجهاز الهضمي مثل الإسهال والغثيان وآلام المعدة والانتفاخ؛ وزيادة إفراز الأوكسالات، ما قد يرفع خطر حصوات الكلى؛ وزيادة امتصاص الحديد، ما قد يؤدي إلى تلف الأنسجة لدى المصابين بمرض الهيموكروماتوزز الوراثي (الذي يسبب امتصاص الجسم كمية مفرطة من الحديد من الطعام)؛ وتفاعلات محتملة مع العلاج الإشعاعي والعلاج الكيميائي وأدوية خفض الكوليسترول من نوع الستاتين.
إذا شعرت أنك قد تستفيد من مكملات فيتامين سي، فيجب عليك مناقشة الأمر مع طبيبك العام، مع الالتزام بجرعة لا تتجاوز 1000 مليغرام يوميًّا، والانتباه إلى الآثار الجانبية المحتملة. وتجدر الإشارة إلى أن أقل من 4% من السكان الأستراليين يعانون نقصًا في فيتامين سي.
آخر الأخبار

جاميسون غرير.. مفاوض ترامب الحاسم الذي يتحدث الفرنسية

الدّفاع المدنيّ: السيطرة على الحريق في جرود البترون

أسينسيو، 23 عاماً، أمام فرصة أخيرة لتجنب جراحة في القصبة


