كرة القدم
يواجه قائد مانشستر يونايتد تساؤلات حول تراجع أدائه بعد موسم استثنائي، وسط انطلاقة كارثية للفريق في الدوري الإنجليزي الممتاز.

تغيرت النظرة تجاه برونو فرنانديز بشكل جذري خلال أسابيع قليلة. القائد البرتغالي الذي احتفي به كنجم بارز في الدوري الإنجليزي الممتاز أصبح الآن محور نقاش حاد حول أسباب تدهور نتائج مانشستر يونايتد. الأرقام الحالية تكشف عن انخفاض ملحوظ في صناعة الفرص، بالتزامن مع بداية سيئة للشياطين الحمر في الموسم الجديد.
يطرح هذا الواقع سؤالاً جوهرياً: هل بات فرنانديز جزءاً من المشكلة التي تعصف بالفريق، أم أنه ضحية لظروف تكتيكية وغيابات أثرت على أدواته الهجومية؟ الإجابة ليست بسيطة، خاصة أن اللاعب المعتاد على تحمل المسؤولية لم يقدم المستويات المعروفة عنه لدى جمهور أولد ترافورد، بينما يبدو الفريق عاجزاً عن استعادة توازنه.
قبل سبعة أسابيع فقط، وقف فرنانديز على مسرح مانشستر أوبرا هاوس بفخر، عقب اختياره لاعب العام من رابطة اللاعبين المحترفين لموسم 2025-2026. لم تكن الجائزة مفاجئة بالنظر إلى دوره المحوري في قيادة الفريق للمركز الثالث، حيث سبق له الفوز بجائزتي رابطة الدوري ورابطة كتّاب كرة القدم.
سجل اللاعب البرتغالي تسعة أهداف وصنع 21 هدفاً، محطماً الرقم القياسي السابق للتمريرات الحاسمة في موسم واحد بالدوري، والذي كان يتقاسمه تييري هنري وكيفن دي بروين. امتد تأثيره إلى اللحظات الحرجة؛ ففي المباريات الـ11 الأخيرة، ساهم مباشرة في 12 هدفاً من أصل 21 سجلها الفريق، وكان حاضراً في تسعة أهداف من أصل 12 خلال سلسلة الانتصارات التي أعادت الفريق لدوري أبطال أوروبا بعد غياب عامين.
شبه مستواه حينها بما قدمه إريك كانتونا في موسم 1995-1996، عندما سجل الفرنسي في ست مباريات متتالية، خمس منها اكتفى فيها الفريق بهدف واحد. عند تسلم جائزته، قال فرنانديز: "لقد كان موسماً استثنائياً بالنسبة لي. أنا فخور للغاية". لكنه أكد أن النجاح الفردي مرتبط بالعمل الجماعي، مضيفاً: "نحن لا نلعب التنس؛ فنحن لا نلعب لأنفسنا فقط. نحن نلعب من أجل الفريق، ومن أجل النادي، ومن أجل الجماهير".
شارك فرنانديز في جميع دقائق مباريات الدوري الست الأولى هذا الموسم، مسجلاً ثلاثة أهداف وصانعاً واحداً. المفارقة أن مساهماته الأربع جاءت جميعها في المباراة الثانية أمام إبسويتش، وهي الفوز الوحيد للفريق حتى الآن ضمن تلك المباريات. ورغم أن هذه الحصيلة أفضل من بدايته الموسم الماضي (هدفان دون صناعة)، إلا أن المقارنة تتجاوز الأهداف والتمريرات الحاسمة.
في الموسم الماضي، لعب دوراً مختلفاً أقرب للاعب الارتكاز المتأخر المفضل لدى روبن أموريم. أما حالياً، فتكشف الأرقام عن تراجع في مؤشرات التأثير. يبلغ متوسط تسديداته 3.3 في المباراة (ثاني أعلى معدل له)، لكن دقتها ضعيفة؛ إذ يسدد على المرمى 0.8 مرة فقط في المباراة (ثاني أدنى معدل). وفي صناعة الفرص، انخفض المتوسط إلى 2.5 فرصة في المباراة، مقارنة بأربعة فرص الموسم الماضي.
الأكثر دلالة هو تراجع الفرص الكبيرة؛ فلم يصنع سوى واحدة حتى الآن، وكانت تمريرة وضعت برايان مبيومو في مواجهة المرمى أمام إبسويتش يوم 30 أغسطس، حسبما أفادت "بي بي سي سبورت". في الموسم الماضي، كان يصنع فرصة كبيرة واحدة في كل مباراة، وهو فارق يعكس صعوبة وضع زملائه في مواقف تهديفية حاسمة حالياً.
حصد مانشستر يونايتد ست نقاط فقط من أول ست مباريات، محققاً أسوأ انطلاقة منذ 40 عاماً، أي قبل إقالة رون أتكينسون وتعيين السير أليكس فيرجسون. رغم سهولة اتهام القائد، إلا أن التحليل يكشف ارتباط تراجع فرنانديز بعوامل تتجاوز مستواه الفردي.
من بين هذه العوامل الحالة البدنية. نادراً ما يغيب اللاعب عن المباريات، لكن الشكوك حول جاهزيته أثارت القلق مؤخراً، خاصة بعد استبعاده من مواجهة النرويج في دوري الأمم الأوروبية. أوضح خورخي جيسوس، مدرب المنتخب البرتغالي، أن لاعب سبورتينغ السابق كان يخوض المباريات رغم شعوره بالألم. ومع ذلك، عاد للمشاركة في المباراتين الدوليتين الأخيرتين وخاض مواجهة صباح الأذربيجاني كاملة (فوز 4-0 في دوري الأبطال).
لم يبدِ مايكل كاريك قلقاً كبيراً قبل مواجهة أتلتيكو مدريد، قائلاً: "لقد كان يعاني من مشكلة بدنية بسيطة، لكن هذا أمر يتكرر كثيراً؛ فاللاعبون غالباً ما يخوضون المباريات وهم يعانون من بعض المتاعب". وأضاف أن الوضع ليس مثالياً لكنه قابل للتعامل، مشيراً إلى التزام اللاعب وتفانيه، وأنه تجاوز المشكلة إلى حد كبير وظهر بصورة ممتازة في التدريبات.
لفهم الفارق بين تألق نهاية الموسم الماضي ومعاناة الحاضر، يجب النظر للتغييرات حول فرنانديز. في المرحلة الأخيرة من الموسم الماضي، شغل بنيامين سيسكو مركز المهاجم الصريح بانتظام، بينما تولى كاسيميرو مسؤولية الارتكاز، مانحاً الفريق توازناً دفاعياً يسمح للبرتغالي بالمخاطرة. من أهداف سيسكو التسعة في الدوري خلال 2026، صنع فرنانديز أربعة. كما كان وراء صناعة أربعة من الأهداف الخمسة الأخيرة لكاسيميرو منذ الأول من فبراير.
غياب هذين اللاعبين غيّر طبيعة المنظومة. قيمة كاسيميرو لم تقتصر على المعدلات البدنية، بل شملت دقة التمركز وقراءة تحركات المنافسين، مما منح فرنانديز هامش حرية أكبر. الآن، غياب هذا التوازن يفرض قيوداً إضافية على القائد، الذي بات مطالباً بالمساهمة الهجومية مع مراعاة المخاطر الدفاعية.
في الخط الأمامي، تواصل إصابة قصبة الساق لسيسكو إطالة فترة غيابه دون موعد واضح للعودة. ازدادت الصعوبة لأن إدارة النادي لم تعزز الخيارات الهجومية في الصيف، واكتفت بتدعيم الوسط، تاركة الفريق بحلول محدودة عند غياب مهاجمه الأساسي.
خطط يونايتد للاعتماد على برايان مبيومو كمهاجم صريح لتعويض غياب سيسكو، لكن إصابة أماد ديالو في الكاحل قبل مباراة هال سيتي الافتتاحية غيرت الحسابات. انتقلت المهمة لماتيوس كونيا، الذي فشل في أداء الدور المطلوب، إذ كان يتراجع باستمرار لعمق الملعب والمساحات التي يتحرك فيها فرنانديز.
هذا التداخل قلص المساحات المتاحة لصانع الألعاب وأضعف خلق الفرص عبر التمريرات بين الخطوط. بدلاً من وجود مهاجم يتحرك في العمق كخيار مباشر، وجد فرنانديز نفسه مضطراً للتعامل مع لاعب يشغل نفس المساحات، مما جعل بناء الهجمات أقل سلاسة. ظهر ذلك بوضوح في مواجهة توتنهام مطلع الأسبوع، حيث احتاج فرنانديز إلى 23 دقيقة لإتمام تمريرة واحدة واحدة.
قبل مواجهة أتلتيكو، أكد كاريك أن جميع اللاعبين مطالبون بإثبات أحقيتهم، وأن مكان أي لاعب في التشكيلة الأساسية ليس مضموناً دائماً. لكن تصريحاته حملت إشارات واضحة لثقته في فرنانديز، الذي لا يبدو أن استبعاده خياراً مطروحاً بقوة حالياً. قال المدرب الإنجليزي إن فرنانديز لاعب من الطراز الرفيع، وإن الظروف لا تسير دائماً كما يرغب اللاعبون، وأن بعض الفترات تتطلب الصبر والعمل.
أضاف كاريك أن قائد يونايتد قدم إنجازات مذهلة وسيواصل الأداء نفسه، معرباً عن ثقته في قدرته على استعادة مستواه. لكن هذه الثقة لا تعفي اللاعب من المسؤولية، ولا يمكن أن تكون مكانته داخل غرفة الملابس مبرراً لاستمرار التراجع. يحتاج الفريق لحلول عاجلة ولا يملك رفاهية الانتظار طويلًا.
وفي المقابل، لا يمكن مطالبة فرنانديز وحده بإصلاح منظومة تعاني من غياب المهاجم الصريح، وفقدان التوازن في الوسط، وتداخل الأدوار الهجومية، بجانب تساؤلات الجاهزية البدنية. تبدو أزمة فرنانديز انعكاساً للأزمة الأوسع في مانشستر يونايتد. أثبتت أرقام الموسم الماضي قدرته على صناعة الفارق عندما تتوافر الظروف المناسبة، لكن الموسم الحالي يفرض تحدياً لإيجاد طرق للتأثير رغم محدودية الخيارات.
يتعين على الجهاز الفني إعادة النظر في كيفية توظيفه وتوفير التوازن الذي يسمح له بالتقدم، بدل تحميله مسؤوليات متداخلة تحد من قدراته. السؤال حول ما إذا كان فرنانديز سبباً في الأزمة أم عرضاً لها لا يحتمل إجابة واحدة. الأرقام تشير لتراجع واضح، لكن الظروف المحيطة توضح أن المشكلة تتجاوز لاعباً واحداً. قد يكون جزءاً من المشكلة عند العجز عن تقديم مستوياته المعتادة، لكنه أيضاً أحد أكثر المتضررين من اختلال المنظومة. لن يكون المطلوب منه استعادة الأرقام الفردية فحسب، بل إيجاد طريقة لإعادة التأثير ومساعدة الفريق للخروج من دوامة النتائج السلبية.



