مقالات

في البلدة القديمة في بلدة كفررمان، وبين أزقّتها الضيّقة المكلّلة بأشجار الحور والكينا، يطالعك مشهد منزل حجريّ عتيق يتجاوز عمره الـ80 عاماً، سقفه مقبّب وبابه حديديّ صغير شبيه بأقبية العمارة العثمانية والبيزنطية القديمة. داخله يمضي عبد الكريم ضاهر إبن السبعين عاماً وقته في صناعة جرّارات زراعيّة من الخشب، وقد بدأ العمل بها قبل سبع سنوات، بدافع قتل الفراغ الذي خلّفه سنّ التقاعد.
يقول ضاهر: «دخلت إلى القبو ووضعت عدّة النجارة أمامي وبدأت العمل، وما هي إلّا ساعات حتى كنت أقف أمام أوّل جرّار زراعيّ، وبعدها كرَّت سُبحة أعمالي. عربات بمختلف الأحجام والأنواع، ومنازل بأحجام متعدّدة وتصاميم متنوّعة تنتظر معرضاً يضمّها ليتعرّف الناس على موهبتي التي جعلتني إنساناً صنع فارقاً».
في قبوه تتوزّع جرّارات زراعية لا ينقصها إلّا «الموتور» لتصبح حقيقة، وسيّارات قديمة تتقدّمها سيّارات الفورد والدوتشي وغيرها… ومنازل تراثية زوّدها بإنارة تخالها حقيقية، فلم يغفل عن أدقّ التفاصيل الصغيرة التي جاءت منسجمة مع أفكار خلاّقة.
يهوى صناعة الجرّارات الزراعية، يعشق ملمس الخشب، ويعتبر أنّ «الحِرفة هي التي تخلّد الإنسان، وأنّ ما حفرته من جرّارات وسيّارات قديمة وبيوت بأشكال هندسية متعدّدة، إنّما جاء وليد التجربة لا العلم… فقط قرّرت أن أقتل الفراغ في نهاية العمر، فأطلقت العنان للمنشار والمبرد والبراغي وكل العدّة لأصنع حلمي ولو بقي مخبّأ في قبو أثريّ».
نجح ضاهر في تحويل الحلم حقيقة، بل جاءت أعماله غاية في الإبداع، «وهذا ما جعلني أبحث عن طريقة أحفظ بها التراث من الإحتضار. فكان النحت بالخشب».
في سنّ التقاعد نجح ضاهر في البدء بتطوير موهبته، لا يحبّذ التهاون بها وقد صقلها بمثابرته على العمل، عادة ما يمضي ساعات في قبوه بين عدّة النجارة التي باتت رفيقته كما الأخشاب. يتعامل معها بحبّ، بل يعتبر كلّ قطعة أنتجها جزءاً من هويته القديمة، ما يثلج قلبه أنّ أعماله فريدة من نوعها. يطمح إلى تنظيم معرض يضمّ كلّ أعماله التي صنعها طيلة السنوات الماضية، يريد أن يؤكد للجميع أنّ الموهبة لا عمر لها، وأنّ الطموح يصنع المستحيلات.
وضع ضاهر خريطة طريق لمواهب الكبار أثبت أنّ أعماله تنم عن إبداع صنعه فارق الزمن. يرفض التقاعد من فنّه، بل يؤكد أنّه ماضٍ في صناعة التراث في حرفته كي يحفظ جيل اليوم تراث الماضي على قاعدة أنّ «من لا تراث له لا مستقبل له».
رمال جوني-نداء الوطن



