اقتصاد
تفضل الهيئات التنظيمية كبح جماح عمالقة التكنولوجيا، لكن أحد متطلبات المفوضية الأوروبية من شركة «مايكروسوفت» أدى إلى مشاكل كبيرة في برمجيات «كراود سترايك»، مما تسبب في تعطيل ملايين الأجهزة في جميع أنحاء العالم.
مشكلة «كراود سترايك» بدأت عندما فشلت الشركة في ضمان تكامل الملف الذي أرسلته إلى عملائها، مما أدى إلى تعطل أجهزة تعمل بنظام «ويندوز». ومن الواضح أن الشركة أرسلت التحديث ليستخدمه الجميع دفعة واحدة بدلاً من تدريجية، مما زاد من حدة المشكلة.
في الوقت نفسه، منحت «مايكروسوفت» لشركة «كراود سترايك» وللمطورين الآخرين وصولاً عميقاً إلى نواة نظام التشغيل «ويندوز»، الذي يتحكم بالكامل في الكمبيوتر. من دون هذا النوع من الوصول، ربما لم يكن لتحديث «كراود سترايك» نفس التأثير، وكان من الأسهل إصلاح المشكلة دون الحاجة إلى إعادة تشغيل كل الأنظمة المتأثرة يدوياً.
منح شركات البرمجيات مثل هذا النوع من الوصول إلى قلب نظام التشغيل ينطوي على مخاطر كبيرة، حيث يعني ذلك إمكانية فقدان السيطرة على الحاسوب سريعاً إذا ارتكب أحد مقدمي البرمجيات خطأً أو تعرض للاختراق. لذلك، بدأت شركة «آبل» في عام 2020 بمنع المطورين من الوصول إلى نواة نظام التشغيل «ماك أو إس»، وهذا قد يكون سبباً في عدم تأثر أجهزة «آبل» بمشكلة «كراود سترايك».
لكن لا يقع الخطأ كله على «مايكروسوفت» وحدها. ففي عام 2009، أبرمت «مايكروسوفت» اتفاقاً مع المفوضية الأوروبية يلزمها بمنح مطوري البرمجيات الآخرين إمكانية الوصول إلى «ويندوز» بنفس مستوى الوصول الذي تتمتع به برمجياتها الخاصة. الهدف كان تشجيع التنافس من خلال ضمان توافق منتجات شركات أخرى مع نظام «ويندوز». رغم أن هذا الهدف نبيل، فإن الاتفاق كان معيباً لأنّه ألزَم «مايكروسوفت» بمنح شركات مثل «كراود سترايك» وصولاً إلى نواة نظام التشغيل. وحتى الآن، لم يتضح ما إذا كان بإمكان «مايكروسوفت» تعديل هذا الوضع لتقليل الوصول إلى النواة، مثلما فعلت «آبل» في عام 2020.
بعيداً عن تعديل هذا الاتفاق، يجب على المفوضية الأوروبية والهيئات التنظيمية الأخرى النظر في المخاطر المرتبطة بالتضحية بالأمن من أجل تشجيع المنافسة. لقد حذرت شركات التكنولوجيا منذ فترة طويلة من أن فتح النظام للمطورين الخارجيين يمكن أن يأتي على حساب الأمان، ولكن هذه المخاوف تُعتبر أحياناً مبرراً لتقييد المنافسة. في الواقع، هناك مقايضات مشروعة بين الأمان والتنافس.
مثلاً، طلبت المفوضية الأوروبية من «آبل» الالتزام بقانون الأسواق الرقمية، مما يستلزم تسهيل تحميل البرمجيات من خارج متجر «آبل ستور». هذا قد يعزز المنافسة، لكنه قد يتيح أيضاً للمستخدمين تحميل برمجيات غير آمنة لم تُفحص من قبل «آبل».
تشجيع المنافسة بهذه الطريقة يتطلب إغلاق أنظمة التشغيل بقدر ممكن، حيث قد ينتهي بنا الأمر بتحميل برمجيات من مطورين غير معروفين. لهذا السبب، أعلنت «آبل» في يناير عن تدابير أمان جديدة لنظام تشغيل هواتفها المحمولة بهدف تقليل الأضرار المحتملة من الأكواد غير المفحوصة على أجهزة «آيفون». يجب على الجهات التنظيمية التفكير بعقل مفتوح بشأن مستوى الوصول الذي تفرضه على شركات التكنولوجيا والمطورين.
قد نكون مستعدين لتقديم بعض الأمان مقابل المزيد من المنافسة، لكن لا يجب أن نضحي أبداً بأمان نواة حواسيبنا.
حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية يرجى عدم نسخ ما يزيد عن 20 في المئة من مضمون الخبر مع ذكر اسم موقع Dailybeirut وارفاقه برابط الخبر.
دايلي بيروت