العالم
عبر غرينلاند.. أمريكا تعيد هندسة القطب الشمالي دفاعيا أمام روسيا والصين
أبرمت الولايات المتحدة والدانمارك وحكومة غرينلاند اتفاقاً أمنياً ثلاثياً ملزماً يُعيد هندسة المنظومة الدفاعية للقطب الشمالي، ويمنح القوات الأمريكية حقوق وصول عسكري غير مقيدة في الجزيرة، مع بند يضمن استمرار الترتيبات حتى في حال انفصال غرينلاند عن التاج الدانماركي.

أبرمت الولايات المتحدة والدانمارك وحكومة غرينلاند اتفاقاً أمنياً ثلاثياً ملزماً، من المقرر توقيعه رسمياً على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. ويهدف الاتفاق إلى تحويل غرينلاند إلى حائط صد متقدم في القطب الشمالي، في ظل تنافس جيوسياسي متصاعد بين القوى الكبرى.
التموضع الاستراتيجي لغرينلاند
تستقر غرينلاند، الرقعة الجغرافية الشاسعة التابعة للتاج الدانماركي، في قلب التحوّل الإستراتيجي المتسارع في القطب الشمالي. وتشكل جغرافيتها العسكرية محوراً لا غنى عنه في حسابات الإنذار المبكر والاعتراض البحري لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، إذ تتربع على مسارات الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وتطّل مباشرةً على الممرات البحرية الحيوية المؤدية إلى المحيط الأطلسي.
ويوضح الباحث في كلية الدفاع التابعة لحلف شمال الأطلسي ريتشارد ويتز أن الجهود الأمريكية تتجاوز حماية الأصول الفضائية التقليدية، رغم القيمة الفائقة للجزيرة في رصد وتتبع الصواريخ الباليستية الروسية العابرة فوق القطب الشمالي. ويشير إلى أن واشنطن تمتلك بالفعل بنية تحتية للدفاع الصاروخي هناك، لكن الاتفاق الجديد يكرّس نشر منظومات رادارية متطورة وشبكات استشعار حديثة ترفع جاهزية الاستجابة لأي تهديد جوي أو فضائي.
التركيز على المجال البحري
ويؤكد ويتز أن الثقل النوعي للتحرك الأمريكي ينصب بالدرجة الأولى على حماية المجال البحري لشمال الأطلسي، حيث يبرز الدور المحوري لغرينلاند في تتبع واعتراض مسارات الغواصات الروسية وإبقائها محاصرة خلف خطوط الانتشار المتقدمة، لمنع اقترابها من السواحل الشرقية للولايات المتحدة أو كندا.
وهذا التوجه يعززه تحليل الباحث في المعهد الدانماركي للدراسات الدولية ميكل أولسن، الذي يرى أن التواجد الأمريكي، الذي ركّز تاريخياً في "قاعدة بيتوفيك الفضائية" (المعروفة سابقاً بقاعدة ثول بموجب اتفاقية 1951)، مقبل على توسع نوعي وميداني لافت. ويوضح أولسن أن واشنطن تتجه بموجب بنود التفاهم الجديد نحو إقامة منشآت وتسهيلات عسكرية إضافية في مواقع مختارة من الجزيرة، ما يحمّل غرينلاند مسؤولية متنامية ضمن المنظومة الدفاعية المشتركة لحلف الناتو لاحتواء الأنشطة العسكرية الروسية.
ويكتسب هذا الإجراء أهميته من إشراف غرينلاند المباشر على ممر "غيوك" الإستراتيجي الفاصل بين غرينلاند وآيسلندا والمملكة المتحدة، وهو المنفذ الأساسي لخروج الغواصات الروسية نحو مياه المحيط الأطلسي. ومن شأن منح القوات الأمريكية حقوق وصول عسكري وتسهيلات تحليق غير مقيدة أن يحول هذا الممر إلى نقطة ارتكاز تعيد فرض قواعد الاشتباك لصالح الدول الحليفة.
معادلة السيادة وحق تقرير المصير
وشمل مسار التفاوض بشأن التواجد الأمريكي في غرينلاند ترتيبات أمنية متشابكة بالتوازي مع شحنة من المتطلبات السياسية المعقدة، إذ تطلّب التوفيق بين الاحتياجات الدفاعية والحفاظ على السيادة وحق تقرير المصير للشعب الأصلي في الجزيرة.
وتؤكد النائبة في البرلمان الدانماركي ناجا ناتانييلسن أن الحفاظ على الخطوط الحمراء كان الشرط الجوهري وغير القابل للمساومة في أي شراكة أو تفاهمات بين حكومتي كوبنهاغن ونوك. وتوضح أن التأكيدات الصادرة عن الحكومتين تثبت بوضوح بقاء السيادة غير منقوصة، وتصون حق تقرير المصير وحقوق الشعب الأصلي للجزيرة، بحيث يظل رسم المستقبل السياسي والاقتصادي شأناً ينبع من إرادة أبناء الجزيرة.
وتلفت ناتانييلسن إلى أن إدراك سكان غرينلاند لأهمية موقعهم الجغرافي ضمن معادلات الأمن القومي الأمريكي أمر واقعي ومشروع، شريطة أن تقابله واشنطن بالاحترام التام لخصوصيتهم وخطوطهم المعلنة. وفي المقابل، يرى ميكل أولسن أن الدانمارك وغرينلاند تجاوزتا أصعب أزمة خارجية وأمنية تواجههما منذ الحرب العالمية الثانية جراء الضغوط الأمريكية العالية، وأن نجاح المفاوضين في صون السيادة عكس قدرة حازمة على كبح المطالب الأمريكية الأكثر شططاً، والخروج بصيغة مقبولة تقلل وطأة الطموح الأمريكي.
بنود الاتفاق وتداعياته السيادية
ورغم هذا التوافق الدبلوماسي، تلوح في آفاق الجزيرة تساؤلات عن كلفة الاتفاق على مستقبل ثرواتها وحقوقها السيادية. فالاتفاق لا يكتفي بمنع خصوم واشنطن من إقامة أي قواعد عسكرية، أو اشتراط موافقة أمريكية خطية مسبقة على الاستثمارات الحساسة في قطاع المعادن الأرضية النادرة — إذ تضم الجزيرة احتياطات واعدة لنحو 25 معدناً حيوياً.
كما أنه يشتمل على "بند الديمومة" الذي يضمن استمرار هذه الترتيبات الدفاعية حتى في حال قرر شعب غرينلاند الانفصال التام عن التاج الدانماركي مستقبلاً، وهو ما تراه بعض النخب المحلية قيداً جيوسياسياً قد يرهن الاستقلال القادم لحسابات الهيمنة الأمريكية.
تأثير الاتفاق على تماسك الناتو
ولم تتوقف ارتدادات الاتفاق عند حدوده الجغرافية، بل أسهمت في نزع فتيل كاد يهدد تماسك حلف شمال الأطلسي نفسه، بعد أن هددت الضغوط الأمريكية وحدة أراضي دولة عضو مؤسس في الناتو، ليتحول الملف من بؤرة خلاف بين دولتين إلى أزمة ممتدة بين ضفتي الأطلسي.
ويوضح ريتشارد ويتز أن النتيجة المباشرة والأكثر أهمية لهذا الاتفاق هي إبعاد الخلافات جانباً وإتاحة الفرصة لحلف الناتو لتركيز طاقاته الدفاعية على التهديد الروسي المشترك، لا سيما ما يتعلق بالحرب في أوكرانيا والحرب السيبرانية ومحاولات موسكو لاستهداف أمن المجتمعات الغربية. ويضيف أن الرئيس الأمريكي اعتمد أسلوبه التفاوضي المعتاد عبر المبالغة في سقف المطالب ثم التراجع خطوة نحو تسوية مؤسسية، لينال في المحصلة كل ما تحتاجه المؤسسة الدفاعية الأمريكية لحماية مصالحها الحيوية دون الحاجة إلى سيناريو الضم المباشر.
وهذه الترتيبات تمنح استراتيجية الناتو زخماً عملياً، لا سيما مع إطلاق الحلف مهمة "حارس القطب الشمالي" لتنسيق الردع الجوي والبحري ومراقبة الممرات الصاعدة. ويؤكد ميكل أولسن أن خيار استبعاد روسيا والصين من النشاط العسكري والاستثماري في الجزيرة حظي بترحيب تام من كوبنهاغن وحكومة نوك معاً، في ظل غياب أي رغبة في تحويل الجزيرة إلى ساحة صراع مفتوح، ليكون الاتفاق في جوهره إعلاناً غربياً موحداً يضع القطب الشمالي تحت مظلة دفاعية صلبة تعطل محاولات الاختراق من قبل روسيا والصين.
وترى روسيا التي تعتمد على تفوقها العددي في كاسحات الجليد أن مسارات أسطولها أصبحت تحت الرقابة التامة، بينما تواجه الصين التي وضعت عينها على اختصار حركة الشحن التجاري نحو أوروبا بنحو 12 إلى 19 يوماً مقارنةً بمسار قناة السويس ورأس الرجاء الصالح، رقيباً استثمارياً وأمنياً يغلق أمامها أبواب الولوج للغرب.
آخر الأخبار

الاحتلام الليلي ظاهرة فسيولوجية طبيعية تحدث أثناء النوم

ثلاث جهات لم تعرف.. كيف دخلت مروحية عسكرية إلى الجانب الشمالي؟

استكمال أعمال تأهيل وتعبيد طريق ضهر البيدر بدءًا من فجر الثلاثاء


