اقتصاد
تواجه إيران أزمة اقتصادية واجتماعية صعبة تعود بشكل أساسي للعقوبات الأميركية القاسية المفروضة عليها، ما يجعل من تحسين وضع الاقتصاد الوطني أولوية على جدول الانتخابات الرئاسية هذا الشهر.

ويعكس تجار في البازار الكبير في طهران، بعضا من جوانب هذه الصعوبات.
\nويقارن فخر الدين (80 عاما)، صاحب متجر لبيع الأوشحة في البازار، بين الوضع الحالي وذاك الذي ساد خلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، معتبرا أنه "كان لدينا نشاط" مع الزبائن أفضل من الراهن.
\nويرى متابعون للشأن الإيراني أن الصعوبات الاقتصادية الراهنة هي الأصعب منذ قيام الجمهورية الإسلامية (1979).
\nويقول تييري كوفيل، الباحث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية ("إيريس") في باريس، لوكالة فرانس برس، إن ما تختبره البلاد حاليا يعدّ "الأزمة الأصعب التي تطال الاقتصاد الكلّي في إيران منذ الثورة" الإسلامية.
\nويوضح الخبير في الاقتصاد الإيراني أن هذه الصعوبات ترافقها "أزمة اجتماعية عميقة" تتمثل خصوصا بـ"انهيار القدرة الشرائية لجزء كبير من الإيرانيين".
\nوعاود اقتصاد الجمهورية الإسلامية الانتعاش بعد إبرام طهران اتفاقا في فيينا العام 2015 مع القوى الكبرى، بشأن برنامجها النووي، بعد سنوات من التوتر والمفاوضات الشاقة.
\nوأتاح الاتفاق رفع الكثير من العقوبات التي كانت مفروضة على إيران، في مقابل خفض أنشطتها النووية. لكن مفاعيله جمّدت بشكل شبه كامل منذ قرار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب العام 2018، سحب بلاده أحاديا من الاتفاق وإعادة فرض عقوبات قاسية على طهران.
\nوأدى ذلك الى انكماش اقتصادي ملموس.
\nووفق تقديرات صندوق النقد الدولي، تراجع الناتج المحلي الاجمالي بأكثر من ستة بالمئة في 2018، وبأكثر من 6,8 بالمئة في العام التالي. وعلى رغم عودته إلى تسجيل مستوى إيجابي في 2020، لا يزال الناتج المحلي عند مستويات تناهز التي عرفها في 2015.
\nوإضافة الى النمو، تواجه إيران مشكلة التضخم. فبعدما تمكنت حكومة الرئيس حسن روحاني من خفضه إلى ما دون 10 بالمئة، تسببت العقوبات المتجددة بارتفاع كبير في نسبة التضخم، والتي يتوقع أن تبلغ هذا العام 39 بالمئة، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي.
\nأما نسبة البطالة، فيقدرها كوفيل بحوالى 20 بالمئة.
\nوحض المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي المرشحين للانتخابات على التركيز على الشأن الاقتصادي.
\nوقال في خطاب في 27 أيار "الآن القضية الآنية والرئيسية في البلاد هي الاقتصاد، فيجب متابعتها بجديّة، وعلى المرشحين المحترمين معالجة هذه القضية، والتحدث مع الناس وإقناعهم".
\nوتبدو معالم الأزمة واضحة في متاجر طهران وأحاديث سكانها، خصوصا لجهة غلاء المعيشة وارتفاع أسعار مواد أساسية كاللحوم والبيض والحليب.
وتقول مهناز، البائعة الثلاثينية في متجر لمستحضرات التجميل في بازار طهران، "لم نعد نخطط لأي مشاريع (مستقبلية). نعيش كل يوم بيومه".
\nتنعكس الأزمة على فئات مختلفة من المجتمع في البلاد التي يناهز تعداد سكانها 83 مليون نسمة.
\nفالكثير من الطلاب اضطروا للتخلي عن متابعة تعليمهم العالي خارج البلاد نظرا لافتقادهم الموارد المالية اللازمة. كذلك، لجأت عائلات تأثرت بأزمة البطالة، الى التقشف في الكثير من المصاريف الأساسية، والاعتماد على مداخيل بسيطة توفرها وظائف ظرفية.
\nوانتشرت في آذار على هامش عيد رأس السنة الفارسية ("نوروز")، صور طوابير الانتظار أمام المتاجر التي تبيع مواد غذائية مدعومة مثل الدجاج والأسماك، ما أثار ردود فعل واسعة وتصدرت الكثير من الصحف اليومية.
\nويرى كوفيل أن أمورا من هذا القبيل "تتيح الاستمرار في الحياة (...) لا عيش حياة بشكل طبيعي".
\nوأتاح الاتفاق النووي رفع الكثير من العقوبات في مقابل الحد من أنشطة طهران وضمان سلمية برنامجها. لكن تجدد العقوبات دفع المستثمرين الأجانب للخروج من السوق الإيرانية، والتردد بشكل كبير قبل ابرام أي عمليات تجارية على صلة بالجمهورية الإسلامية.
\nوأخرجت العقوبات إيران من النظام المصرفي العالمي، وأفقدتها غالبية مستوردي صادراتها النفطية، ما حرمها من عائدات مالية أساسية.
\nوفي غياب هذه الإيرادات، يرى كوفيل أن "الحكومة الإيرانية كانت ملزمة الحد من الاستثمار (في الاقتصاد المحلي)، من أجل مواصلة دفع النفقات الجارية ورواتب موظفي القطاع العام".
\nلكنه يرى أن سياسة تقليص الاستثمارات هذه "متواصلة منذ فرض العقوبات، وليس مصادفة أن نبدأ برؤية انقطاعات في التيار الكهربائي في إيران".
\nوقبل إبرام الاتفاق النووي، زادت الدول الغربية بعد العام 2010 من وتيرة العقوبات المفروضة على إيران سعيا لإبطاء برنامجها المثير للجدل.
\nوفي دراسة نشرت حديثا، يرى الخبير الاقتصادي الإيراني جواد صالحي-اصفهاني أنه "منذ 2011، تراجع نحو ثمانية ملايين شخص من الطبقة الوسطى الى الطبقة الوسطى الدنيا، ونحو أربعة ملايين التحقوا بالطبقات الفقيرة".
\nوما زاد الصعوبات الاقتصادية سوءا، تأثر إيران بشكل كبير بفيروس كورونا.
\nويرى كوفيل أن جائحة كوفيد-19 "زادت من تأثير (...) العقوبات الأميركية"، خصوصا وأن "الحكومة (الإيرانية) ببساطة لم تكن تمتلك المال للتعويض اجتماعيا" عن آثار الأزمة الصحية.
\nوتعد إيران أكثر دول الشرق الأوسط تأثرا بكوفيد-19، وهي أعلنت رسميا وفاة أكثر من 81 ألف شخص بسببه.
\nوفي تصريحاتهم خلال الحملة الانتخابية، شدد المرشحون السبعة، بمن فيهم الخمسة من المحافظين المتشددين الذين غالبا ما انتقدوا اتفاق فيينا، على أولوية رفع العقوبات الاقتصادية.



