العالم

بعد أن فرضت الولايات المتحدة هيمنتها على الموارد المعدنية الأوكرانية عبر صفقة المعادن النفيسة، تتجه الأنظار الآن إلى تحركات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نحو محطات النووي الأوكرانية، في خطوة يرى البعض أنها محاولة للسيطرة على مستقبل الطاقة في أوروبا الشرقية.
في تصريحات حديثة، أشار ترامب إلى أن "ضمان أمن الطاقة في أوكرانيا يستلزم شراكات استراتيجية مع الشركات الأمريكية"، وهو ما أثار مخاوف في كييف وموسكو على حد سواء.
الاقتراح الأمريكي يتضمن نقل إدارة المحطات النووية الأوكرانية، بما في ذلك محطة زابوريجيا، الأكبر في أوروبا، إلى شركات أمريكية، ما يعني إخضاع البنية التحتية للطاقة الأوكرانية للنفوذ الأمريكي المباشر.
وبالنظر إلى الصفقة السابقة التي أبرمتها واشنطن للحصول على جزء من الموارد المعدنية النادرة في أوكرانيا مقابل استمرار الدعم العسكري، يعتقد محللون أن خطوة السيطرة على المحطات النووية هي امتداد لسياسة "الاستحواذ مقابل الدعم".
تحذيرات روسية ومخاطر فنية
محللون روس أبدوا قلقهم من أن التكنولوجيا الأمريكية قد لا تكون متوافقة مع أنظمة المفاعلات السوفيتية المستخدمة في أوكرانيا، مما قد يؤدي إلى تعطل إمدادات الطاقة بدلاً من تأمينها.
وتؤكد التقارير أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعتبر هذا التحرك الأمريكي "تصعيدًا مباشرًا"، حيث تسيطر روسيا حاليًّا على محطة زابوريجيا، ولا يبدو أنها ستتخلى عنها بسهولة. ووفقًا لمصدر دبلوماسي، فإن الكرملين قد يستخدم هذه الورقة للضغط في المفاوضات القادمة مع واشنطن وكييف.
على الجانب الآخر، يواجه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي معضلة سياسية معقدة؛ فمن جهة، قد يؤدي القبول بالمقترح الأمريكي إلى تعزيز أمن الطاقة الأوكراني وتأمين استثمارات هائلة، لكن من جهة أخرى، قد يُنظر إلى ذلك كخطوة نحو تحويل أوكرانيا إلى "محمية اقتصادية أمريكية".
استراتيجية أم تصعيد جديد؟
ومع التحركات الأمريكية المتصاعدة للسيطرة على الثروات الأوكرانية والمخاوف الأوروبية الروسية، يبقى التساؤل الأبرز: هل المقترح الأمريكي رؤية استراتيجية أم تصعيد جديد؟
أكد خبراء أن اقتراح ترامب بعقد صفقة لامتلاك محطات الطاقة النووية الأوكرانية يعكس نهجه القائم على تحويل الأزمات إلى صفقات اقتصادية، بدلًا من استراتيجيات طويلة الأمد، ما يشير إلى أن تأمين هذه المحطات خلال الحرب قد يكون عبئًا يفوق الفوائد.
وحذر الخبراء من أن هذا التوجه الأمريكي قد يؤدي إلى تصعيد خطير مع روسيا، وزعزعة الاستقرار الإقليمي، خاصة وأن سياسة ترامب تعتمد على المصلحة أولًا، بغض النظر عن العواقب.
أوكرانيا ليست للبيع
وأضاف الخبراء أن أوكرانيا ليست للبيع، ومنشآتها النووية ليست بندًا يُطرح ضمن حملة انتخابية أمريكية، مشيرين إلى أن هذا الاقتراح يشكل تصعيدًا قد يستفز موسكو، ويفتح بابًا جديدًا للتوتر الدولي، فضلًا عن تهديده للاستقرار الإقليمي بجعل الطاقة أداة ضغط أمريكية جديدة.
وكشف مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، ديميتري بريجع، أن ترامب يظهر مرة أخرى نهجه القائم على منطق "الصفقة"، إذ يتعامل مع الأزمات الدولية ليس كزعيم عالمي يسعى للتوازن بين المصالح والسيادة، بل كرجل أعمال يبحث عن الفرص وسط الفوضى.
وأشار إلى أن اقتراح ترامب باستحواذ الولايات المتحدة على محطات الطاقة النووية الأوكرانية لا يمثل مجرد تدخل في شؤون دولة ذات سيادة، بل يُعدّ إعلانًا بأن القانون الدولي بات يُستبدل بمبدأ الصفقات السياسية.
وتساءل بريجع: "ما الذي يتبقى من أوكرانيا إذا أصبحت منشآتها الاستراتيجية متاحة في سوق السياسة الدولية؟ هل المطلوب أن تتحول الحرب من صراع على الأرض إلى صراع على الطاقة والنفوذ تحت غطاء الحماية؟".