العالم

تختبر الصين على متن فرقاطة تجريبية شبحية نظامًا غامضًا قد يكشف عن اتجاه جديد في مستقبل الحرب البحرية، مع تزايد الاعتماد على أسلحة الطاقة الموجهة لمواجهة أسراب الطائرات المسيّرة وتنفيذ عمليات ضغط منخفضة التصعيد في المناطق المتنازع عليها.
ورُصدت السفينة مؤخرًا بعد تعديل تصميمها، إذ أزيلت قاذفة صواريخ كانت مثبتة على سطحها واستُبدلت بوحدة صندوقية الشكل لم تُعلن بكين رسميًا طبيعتها أو مهمتها. وأثار ظهور النظام تكهنات بين محللي الشؤون البحرية، بين من يرجح أنه سلاح صوتي ومن يرى أنه نظام ميكروويف عالي الطاقة قادر على تعطيل الطائرات المسيّرة.
ظهرت السفينة التجريبية للمرة الأولى في حوض بناء السفن الصيني عام 2023، وهي مصممة بخصائص شبحية تشمل أسطحًا ناعمة ومتعددة الأوجه لتقليل بصمتها الرادارية.
وتشير مواصفاتها إلى أنها ليست سفينة قتالية تقليدية بقدر ما هي منصة لاختبار تقنيات بحرية جديدة، تشمل أجهزة الاستشعار والأسلحة وأنظمة الدفع والتخفي، بحسب "آسيا تايمز".
ويأتي استبدال قاذفة الصواريخ بالنظام الغامض ليؤكد على الأرجح طبيعة السفينة التجريبية، خصوصًا أن موقع الوحدة وشكلها يشبهان بعض أنظمة الطاقة الموجهة التي تطورها الصين للاستخدام ضد الطائرات المسيّرة.
لكن عدم وجود إعلان رسمي يجعل تحديد وظيفتها أمرًا صعبًا. فبعض المحللين يعتقدون أن النظام قد يكون جهازًا صوتيًا بعيد المدى، بينما يرجح آخرون أنه سلاح ميكروويف عالي الطاقة مصمم لتعطيل الأنظمة الإلكترونية للطائرات المسيّرة.
سلاح للمنطقة الرمادية
إذا كان النظام صوتيًا، فإنه قد يمثل امتدادًا لاستخدام الصين أدوات غير حركية في عمليات المنطقة الرمادية، حيث تسعى بكين إلى فرض الضغط على خصومها دون الوصول إلى مستوى الحرب المفتوحة.
وقد استخدمت الصين بالفعل أجهزة صوتية بعيدة المدى في مواجهات بحرية مع الفلبين، كما اتُهمت باستخدام الليزر ضد سفن خفر السواحل الفلبينية.
وتتميز أجهزة الصوت بعيدة المدى بإطلاق موجات صوتية مركزة لمسافات طويلة، ويمكن استخدامها للتواصل أو التحذير، لكنها قد تسبب أيضًا أضرارًا صحية عند استخدامها بمستويات شديدة.
وبالتالي، فإن وجود مثل هذا النظام على سفينة شبحية قد يمنح الصين أداة ضغط يمكن استخدامها ضد سفن خفر السواحل أو السفن العسكرية المنافسة، مع إبقاء مستوى التصعيد تحت عتبة الحرب التقليدية.
أما إذا كان النظام يعتمد على الميكروويف عالي الطاقة، فإن استخداماته قد تكون أكثر ارتباطًا بالحرب الإلكترونية والدفاع الجوي.
مواجهة أسراب المسيّرات
تواجه السفن الحربية خطرًا متزايدًا من أسراب الطائرات المسيّرة والقوارب غير المأهولة، التي يمكن أن تهاجم من اتجاهات متعددة وتستنزف أنظمة الدفاع التقليدية.
وتكمن المشكلة في عدم التناسب بين تكلفة الهجوم والدفاع؛ فقد تكون الطائرة المسيّرة رخيصة نسبيًا، بينما يكلف الصاروخ المستخدم لاعتراضها مبالغ أكبر بكثير.
وأظهرت تجارب عسكرية حديثة صعوبة التصدي لأسراب كبيرة حتى باستخدام المدافع السريعة. ففي تدريب عسكري كوري جنوبي في يونيو 2026، واجهت ثمانية مدافع من طراز "فولكان" صعوبة في إسقاط سرب من 50 طائرة مسيّرة، وتمكنت من تدمير 44 منها، بينما احتاجت القوات إلى أسلحة إضافية للتعامل مع البقية.
وفي مواجهة حقيقية، لن تتحرك الطائرات المسيّرة بالضرورة في تشكيل بطيء ومنظم، بل قد تأتي من ارتفاعات واتجاهات مختلفة، بالتزامن مع صواريخ مضادة للسفن وقوارب غير مأهولة، بهدف إرباك الدفاعات وإغراقها.
الميكروويف كدفاع منخفض التكلفة
هنا تظهر أهمية أسلحة الميكروويف عالية الطاقة، التي تعمل من خلال إرسال طاقة كهرومغناطيسية يمكن أن تتسبب في ارتفاعات مفاجئة للجهد وإتلاف المكونات الإلكترونية الحساسة داخل الطائرات المسيّرة.
وتتمثل ميزتها الأساسية في إمكانية الاشتباك مع عدد كبير من الأهداف دون استهلاك صاروخ مستقل لكل طائرة، ما قد يجعلها مناسبة لمواجهة أسراب ضخمة.
كما توفر أسلحة الطاقة الموجهة، بما فيها الليزر والميكروويف، سرعة اشتباك عالية وتكلفة تشغيلية منخفضة نسبيًا، ما يجعلها خيارًا جذابًا في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن محدودية مخزونات الصواريخ الاعتراضية.
وقد عززت الحرب في أوكرانيا، إلى جانب المواجهات البحرية في البحر الأحمر والصراع الأمريكي الإيراني، أهمية هذه المشكلة، بعدما أظهرت الطائرات المسيّرة الرخيصة قدرتها على استنزاف أنظمة دفاعية باهظة التكلفة.
رغم أن السفن الشبحية مصممة لتقليل اكتشافها، فإن ذلك لا يجعلها محصنة أمام أسراب المسيّرات.
فالمسيّرات الحديثة يمكن أن تستخدم مستشعرات بصرية وحرارية ورادارية ومغناطيسية وصوتية، ما يسمح لها بالبحث عن السفن عبر مجموعة من البصمات المختلفة.
كما يمكن للمهاجمين استخدام أعداد كبيرة من المسيّرات والقوارب غير المأهولة لإجبار السفينة على استهلاك صواريخها ومدافعها الدفاعية، حتى تتمكن بعض الوحدات المهاجمة من اختراق الحماية والوصول إلى الهدف.
وأظهرت لقطات نُشرت في يوليو 2026 كيف تمكنت مركبة سطحية أمريكية غير مأهولة منخفضة التكلفة نسبيًا من الاقتراب لمسافة قريبة من مدمرة صينية في بحر الصين الجنوبي، في مثال على التهديد الذي يمكن أن تمثله المنصات غير المأهولة للسفن الكبيرة.
اختبار يكشف اتجاهًا أوسع
سواء كان النظام الغامض على متن الفرقاطة الصينية سلاحًا صوتيًا أو ميكروويف عالي الطاقة أو تقنية أخرى، فإن ظهوره يعكس تحولًا أوسع في التفكير العسكري البحري.
فالصين تبحث في الوقت نفسه عن أدوات يمكن استخدامها في المنطقة الرمادية لفرض الضغط على الخصوم، وأنظمة دفاعية قادرة على مواجهة أسراب الطائرات المسيّرة بأقل تكلفة ممكنة.
لكن الانتقال من الاختبار إلى الاستخدام القتالي لا يزال يواجه تحديات كبيرة، أبرزها توفير الطاقة اللازمة، والتبريد، والمدى الفعال، ودقة التوجيه، ومقاومة التدابير المضادة.
ومع ذلك، فإن ظهور نظام غير معروف على منصة شبحية مخصصة للتجارب يشير إلى أن المعركة البحرية المقبلة قد لا تعتمد فقط على الصواريخ والمدافع، بل على القدرة على توجيه الطاقة نفسها نحو الخصم. وهذا قد يفتح فصلًا جديدًا في سباق التسلح البحري، تكون فيه السفن قادرة على تعطيل خصومها أو إسقاط أسراب المسيّرات دون إطلاق قذيفة واحدة.



