Daily Beirut

العالم

"سرايا السلام" تخلع العباءة.. هل انتهى إرث "جيش المهدي" في العراق؟

··قراءة 4 دقائق
"سرايا السلام" تخلع العباءة.. هل انتهى إرث "جيش المهدي" في العراق؟
مشاركة

أعاد قرار زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر فك ارتباط "سرايا السلام" بالتيار وإلحاقها بالدولة العراقية تسليط الضوء على أحد أكثر التشكيلات المسلحة تأثيرًا في العراق منذ عام 2003، في خطوة وصفها مراقبون بأنها قد تمثل تحولًا مفصليًّا في ملف حصر السلاح بيد الدولة، وسط ضغوط داخلية وخارجية متزايدة لإنهاء وجود الميليشيات المسلحة وإنهاء ازدواجية القرار الأمني.

جاء إعلان الصدر في توقيت يشهد فيه العراق نقاشات واسعة بشأن مستقبل الميليشيات المسلحة وآليات دمجها داخل المؤسسات الرسمية، بالتزامن مع دعوات حكومية وقضائية متصاعدة لتوحيد القرار العسكري تحت سلطة الدولة.

تعود جذور "سرايا السلام" إلى عام 2003 عندما أسس مقتدى الصدر "جيش المهدي" عقب الغزو الأمريكي للعراق، ليصبح أحد أبرز التشكيلات المسلحة الشيعية خلال سنوات الصراع الطائفي ومواجهة القوات الأمريكية.

من "جيش المهدي" إلى "سرايا السلام"

وخاض "جيش المهدي" معارك واسعة في بغداد والنجف ومدن أخرى، قبل أن يعلن الصدر تجميده عام 2008 ضمن ترتيبات أمنية وسياسية أعقبت عملية "صولة الفرسان" التي أطلقها غريمه التقليدي داخل الأوساط الشيعية نوري المالكي آنذاك ضد الجماعات المسلحة.

كما واجه جيش المهدي اتهامات بارتكاب جرائم بحق مواطنين من المكوّن السني، إبان فترة العنف الطائفي 2005 – 2008، خلال صراعه مع "تنظيم القاعدة".

وفي السنوات اللاحقة، ظهر تشكيل "لواء اليوم الموعود" باعتباره الامتداد العسكري المحدود للتيار الصدري، قبل أن يعود الصدر في يونيو/ حزيران 2014 إلى تأسيس "سرايا السلام" بعد اجتياح "تنظيم داعش" مدينة الموصل وانهيار قطعات عسكرية واسعة في شمال العراق.

وأعلن الصدر حينها أن الهدف من التشكيل الجديد يتمثل في حماية المراقد الدينية والمساجد والكنائس والمقدسات، بالتنسيق مع الدولة العراقية، قبل أن تنخرط السرايا لاحقًا في المعارك ضد "تنظيم داعش" ضمن عدد من الجبهات.

ولعبت "سرايا السلام" دورًا في عدد من المعارك التي شهدتها الحرب ضد "تنظيم داعش"، خصوصًا في سامراء وجرف الصخر وآمرلي وديالى وجزيرة سامراء.

"سرايا السلام" وحرب "داعش"

وشاركت قواتها إلى جانب الجيش العراقي و"الحشد الشعبي" في فك الحصار عن ناحية آمرلي عام 2014، كما أسهمت في العمليات العسكرية التي انتهت باستعادة مناطق واسعة من صلاح الدين وديالى من قبضة التنظيم.

وبرز وجود السرايا بصورة خاصة في مدينة سامراء، حيث تولت حماية مرقدي الإمامين العسكريين ومحيطهما، وتحولت المدينة لاحقًا إلى إحدى أبرز مناطق انتشارها العسكري.

وخلال سنوات الحرب، حافظت السرايا على خصوصيتها التنظيمية داخل البيئة الشيعية المسلحة، إذ ارتبطت مباشرة بمقتدى الصدر، رغم مشاركتها ضمن هيئة "الحشد الشعبي" من خلال الألوية 313 و314 و315.

ولم يكن إعلان الصدر الأخير أول محاولة لفك ارتباط السرايا بالتيار الصدري، إذ سبق له أن طرح أفكارًا مشابهة خلال أعوام 2017 و2019، داعيًا إلى حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء التبعية الحزبية للفصائل المسلحة.

خطوات متكررة

وبعد هزيمة "تنظيم داعش"، أعلن الصدر أكثر من مرة استعداده لدمج "سرايا السلام" ضمن المؤسسات الرسمية، مشترطًا أن يشمل الأمر جميع الفصائل المسلحة دون استثناء.

إلا أن تلك الدعوات لم تتحول إلى إجراءات تنفيذية كاملة، وبقيت السرايا محتفظة بهيكليتها الخاصة، فيما شهدت البلاد لاحقًا أحداثًا أمنية وسياسية معقدة كان أبرزها اشتباكات المنطقة الخضراء عام 2022.

ويقول الباحث السياسي نزار حيدر لـ"إرم نيوز" إن "الظروف الحالية تختلف عن جميع المراحل السابقة بسبب حجم الضغوط الدولية والإقليمية، فضلًا عن تنامي المطالب الوطنية الداعية إلى حصر السلاح بيد الدولة".

دمج أم إعادة هيكلة؟

وأضاف، أن "ملف السلاح اليوم أصبح جزءًا من مشروع بناء الدولة، خصوصًا بعد دخول السلطة القضائية على خط النقاش بصورة مباشرة، وتأكيد ضرورة إنهاء أي وجود مسلح خارج إطار المؤسسات الرسمية"، موضحًا أن "تجارب دمج الفصائل المسلحة في دول مختلفة أظهرت وجود مسارين رئيسيين، الأول يتمثل بإبقاء الفصيل بهيكليته وسلاحه داخل مؤسسة رسمية، والثاني يقوم على تفكيك التشكيل ودمج أفراده داخل مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية.

وأشار إلى أن "التجارب السابقة أثبتت أن الدمج الحقيقي ينجح عندما يذوب المقاتلون داخل مؤسسات الدولة ولا يحتفظون بهياكلهم التنظيمية السابقة".

ويرى مختصون أن قرار الصدر لا يتعلق بمستقبل "سرايا السلام" وحدها، بل يحمل رسائل سياسية وأمنية أوسع موجهة إلى بقية الميليشيات المسلحة، خصوصًا في ظل الجدل المتصاعد بشأن مستقبل السلاح خارج إطار الدولة.

كما يمنح القرار، بحسب متابعين، زخمًا إضافيًّا للمساعي الحكومية الرامية إلى إعادة تنظيم المشهد الأمني، ويضع الفصائل الأخرى أمام استحقاق مماثل يتعلق بعلاقتها بالمؤسسات الرسمية.

ويمثل الإعلان إحدى أبرز المحطات في تاريخ التيار الصدري العسكري الممتد منذ أكثر من عقدين، ويضع "سرايا السلام" أمام مرحلة جديدة قد تنهي عمليًّا المسار الذي بدأ مع "جيش المهدي" عام 2003، لينتهي – للمرة الأولى – تحت مظلة الدولة العراقية بصورة كاملة.

وفي هذا السياق، كشف عضو في التيار الصدري، لـ"إرم نيوز"، أن "عملية فك ارتباط "سرايا السلام" دخلت مرحلتها التنظيمية الأولى، عبر تشكيل لجان مشتركة تضم ممثلين عن السرايا وهيئة "الحشد الشعبي" ومكتب القائد العام للقوات المسلحة لوضع خريطة طريق تفصيلية لعملية الانتقال".

وقال عضو التيار الذي طلب حجب اسمه، إن "المرحلة الأولى تتضمن حصر الأعداد والآليات والمعدات والمقرات التابعة للسرايا في بغداد والنجف وسامراء وعدد من المحافظات الأخرى، على أن تُرفع تقارير تفصيلية خلال الأسابيع القليلة المقبلة إلى الجهات الحكومية المختصة".

وأوضح أن "العملية ستجري على مراحل زمنية متتابعة تمتد لعدة أشهر، تبدأ بفك الارتباط الإداري والتنظيمي الكامل بين السرايا والتيار الصدري، ثم نقل الصلاحيات العسكرية واللوجستية إلى الدولة، يعقبها تسليم المقرات والأسلحة المتوسطة والثقيلة وإعادة هيكلة الموارد البشرية وفق احتياجات المؤسسات الأمنية".

وأكد أن "الهدف النهائي هو تحويل جميع عناصر السرايا إلى قوة خاضعة حصرًا لسلسلة القيادة العسكرية الرسمية، وإنهاء أي ارتباط تنظيمي أو سياسي سابق، بما ينسجم مع مشروع حصر السلاح بيد الدولة وتوحيد القرار الأمني والعسكري في العراق".

عصام العبيدي - إرم نيوز

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة