Daily Beirut

العالم

شبح انتفاضة 1968 يطل على باريس.. جيل جديد يتحدى الأوضاع بشعارات قديمة

··قراءة 4 دقائق
مشاركة

تستحضر موجة الاحتجاجات الاجتماعية، التي تشهدها فرنسا إرث انتفاضة عاشتها البلاد في شهر أيار/مايو 1968، مع رفع شعارات مستوحاة من تلك المرحلة واستدعاء رموزها، في محاولة من جيل الشباب للتعبير عن رفضه للأوضاع الراهنة.

والمقارنة بين الحركتين تخفي اختلافات جوهرية؛ فبينما ارتكزت احتجاجات 1968 على العمل الجماعي والتعبئة الواسعة، تتخذ التحركات الحالية طابعاً أكثر فردية، في ظل سياق اجتماعي واقتصادي وسياسي مختلف، ما يطرح تساؤلات بشأن فرص تحولها إلى حركة احتجاجية جامعة.

شعارات تستحضر انتفاضة 1968
كشف تحليل نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسية، أن المشاركين في الاحتجاجات، التي تشهدها البلاد خلال خريف 2026، يستحضرون بصورة متزايدة أحداث مايو 1968، التي شكلت إحدى أبرز محطات التغيير السياسي والاجتماعي في تاريخ فرنسا الحديث.

وأشارت الصحيفة إلى أن لافتات رفعها متظاهرون تضمنت عبارة "جيل 67 يصنع مايو 68"، في إشارة إلى الشباب المولودين أواخر العقد الأول وبداية العقد الثاني من الألفية الحالية، الذين يستلهمون تجربة الأجيال السابقة في الاحتجاج والتغيير.

وامتد استحضار تلك المرحلة إلى إعادة صياغة شعارات تاريخية، إذ تحولت عبارة "تحت الأرصفة، الشاطئ" إلى "تحت الأرصفة، الغضب"، إلى جانب شعارات تنتقد السلطة السياسية ووسائل الإعلام وتندد بعنف الشرطة، وهي قضايا تشكل أحد عناصر التعبئة المشتركة بين الحركتين.

قواسم مشتركة واختلافات جوهرية
وبحسب تقرير الصحيفة، تتقاطع الاحتجاجات الحالية مع انتفاضة 1968 في انطلاقها من أوساط الشباب، قبل امتدادها إلى شرائح اجتماعية أخرى، فضلاً عن تصاعد الانتقادات الموجهة إلى السلطة السياسية والنظام الرأسمالي، وتأثر الحركتين بسياقات دولية شهدت موجات احتجاجية.

وقالت المؤرخة المتخصصة في الحركات الاجتماعية لوديفين بانتيني، إن هناك نقاط تشابه متعددة بين الفترتين، موضحة أن احتجاجات الستينيات ارتبطت برفض حرب فيتنام، بينما تبرز القضية الفلسطينية والحرب في غزة ضمن القضايا الدولية المؤثرة في التحركات الحالية.

بدورها، أشارت المؤرخة ميشيل زانكاريني-فورنيل إلى أن الحركتين تعكسان امتداداً عابراً للحدود للاحتجاجات الشبابية، وقناعة بقدرة الأجيال الجديدة على إحداث التغيير، رغم قتامة التوقعات بشأن المستقبل.

إلا أن الصحيفة شددت على أن التشابه في الشعارات لا يعني تطابق الظروف؛ إذ شهدت فرنسا خلال العقود الستة الماضية تحولات عميقة في بنيتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

انسداد الأفق الاجتماعي
وأوضحت "لوموند"، أن التحركات الطلبة، التي بدأت أواخر شهر سبتمبر/أيلول 2026، تتغذى من القلق بشأن المستقبل وتراجع فرص الارتقاء الاجتماعي، وهو ما يمثل اختلافاً أساسياً عن أواخر ستينيات القرن الماضي.

ونوهت المؤرخة فورنيل إلى أن البطالة بدأت في الارتفاع خلال تلك الفترة، وكانت البلاد تشهد إضرابات واسعة، لكن الاعتقاد بإمكانية تحقيق الصعود الاجتماعي ظل قائماً، على عكس الوضع الحالي، حيث يسود شعور بأن "المصعد الاجتماعي متوقف".

كما تغيرت التركيبة الاجتماعية للجامعات؛ ففي عام 1968، لم تتجاوز نسبة أبناء العمال والفلاحين بين الطلاب 13%، وكان عدد من المحتجين قد تشكل وعيهم السياسي داخل دوائر ماركسية.

أما اليوم، فتبرز قضايا التمييز ضد الفئات ذات الأصول العرقية المختلفة، والبيئة، إلى جانب الانتقادات الاقتصادية والاجتماعية.

وترى المؤرخة بانتيني أن الشباب يمارسون شكلاً مناهضاً للرأسمالية دون الحاجة إلى امتلاك معرفة متخصصة بأفكار كارل ماركس، مستفيدين من شبكات التواصل الاجتماعي في تشكيل وعيهم السياسي.

أبرز الفوارق
ومن أبرز الفوارق التي رصدها التحليل طبيعة التنظيم وأساليب التعبئة. فبينما اعتمدت حركة 1968 على الاجتماعات العامة والنقاشات الجماعية واتخاذ القرارات بصورة مشتركة، بات النشاط الحالي أكثر ارتباطاً بالمبادرات الفردية والتعبئة الرقمية.

وضربت الصحيفة مثالاً بالملصقات الشهيرة التي أنتجتها ورشة الفنون الجميلة في باريس خلال انتفاضة 1968، والتي كانت تُصمم وتُقر بصورة جماعية، مقابل اللافتات التي يصنعها المتظاهرون اليوم بصورة فردية.

واختلفت وسائل الاحتجاج أيضًا، إذ تركزت التحركات الحالية على إغلاق المدارس والجامعات، بينما اعتمدت انتفاضة 1968 على احتلال المؤسسات ومواقع العمل، بما فيها الجامعات والمصانع.

وأشارت "لوموند" إلى أن احتلال جامعة السوربون في الـ13 من شهر مايو/أيار 1968، ثم مسرح الأوديون بعد يومين، تزامن مع إضراب عام تجاوز المدة المحددة له وامتد إلى قطاعات اقتصادية واسعة، ما أدى إلى شلل النشاط الاقتصادي في فرنسا.

وترى المؤرخة بانتيني أن احتلال المؤسسات كان عاملاً حاسماً في بناء مراكز قوى مضادة وتعزيز قدرة المحتجين على فرض مطالبهم، من خلال الاجتماعات والنقاشات والتفاعل السياسي المستمر.

توحيد الاحتجاجات
وفي المقابل، لا تزال التحركات الحالية تفتقر إلى مستوى التنظيم والامتداد الذي ميز انتفاضة 1968، رغم محاولات توسيع المشاركة لتشمل الطلاب والعمال والنقابات وشرائح اجتماعية أخرى

ولفتت الصحيفة إلى أن دعوة الاتحاد العام للعمال الفرنسي إلى «تعميم» إضراب الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني لا تعني الدعوة إلى إضراب عام بالمعنى الذي شهدته البلاد قبل نحو 58 عاماً.

ومع ذلك، يستحضر المحتجون أحد أشهر شعارات مايو 1968، المتمثل بـ"هذه ليست سوى البداية"، في تعبير عن طموح لتحويل التحركات المتفرقة إلى موجة أوسع.

ويبقى التحدي الأساسي أمام الجيل الجديد، وفق تحليل "لوموند"، تجاوز الطابع الفردي للاحتجاجات وبناء إطار جماعي قادر على توحيد المطالب وتحويل الغضب الاجتماعي إلى قوة سياسية مؤثرة.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة