Daily Beirut
الطبعة·صحيفة مستقلة من بيروت

العالم

صراع النفوذ في إيران.. خرازي يكشف كواليس مكتب مجتبى خامنئي

··قراءة 6 دقائق
صراع النفوذ في إيران.. خرازي يكشف كواليس مكتب مجتبى خامنئي
مشاركة

أثارت تصريحات رجل الدين الإيراني والأمين العام لـ"حزب الله إيران"، محمد باقر خرازي، جدلًا واسعًا بعد حديثه عن وجود خلافات داخل الدائرة المحيطة بالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، مدعيًا أن مرحلة انتقال القيادة بعد وفاة المرشد السابق علي خامنئي شهدت إعادة ترتيب داخل مكتب القيادة وظهور صراعات بين شخصيات ومجموعات نافذة.

وتأتي هذه المعلومات في سياق سلسلة من التصريحات التي أطلقها خرازي خلال الأيام الأخيرة، والتي تحدث فيها عن قضايا داخلية مرتبطة بمؤسسات الحكم، من بينها الرئاسة والمجلس الأعلى للأمن القومي والمفاوضات الخارجية. إلا أن كثيرًا من هذه الادعاءات لم يتم تأكيدها من مصادر مستقلة، فيما نفت بعض الجهات الرسمية عددًا منها.

إعادة تشكيل مكتب القيادة

قال خرازي إن مجتبى خامنئي، الذي أصبح المرشد الإيراني الثالث، قام بتشكيل مكتب جديد يختلف عن مكتب والده علي خامنئي، وإن عملية إعادة التنظيم شملت مراجعة واسعة لتركيبة المكتب وإبعاد بعض الشخصيات التي كانت تتمتع بنفوذ خلال السنوات السابقة.

وادعى خرازي أن عددًا محدودًا فقط من العاملين في مكتب المرشد السابق سيستمرون في مواقعهم، بينما سيُطلب من آخرين مغادرة مواقعهم، في إشارة إلى وجود عملية إعادة هيكلة داخل المؤسسة الأكثر تأثيرًا في النظام السياسي الإيراني.

ولم تصدر معلومات رسمية تؤكد وجود مثل هذه التغييرات أو طبيعة تركيبة مكتب مجتبى خامنئي، كما لم يتم الإعلان عن تفاصيل بشأن إدارة المكتب الجديد.

انتقادات لشخصيات مقربة من مكتب علي خامنئي

ضمن تصريحاته، وجّه خرازي انتقادات إلى عدد من الشخصيات المرتبطة بمكتب المرشد الإيراني السابق، وخصّ بالذكر بعض المسؤولين الذين اعتبر أنهم امتلكوا نفوذًا واسعًا خلال عهد علي خامنئي.

كما تحدث عن وجود خلافات قديمة داخل مكتب القيادة، مدعيًا أن بعض الشخصيات كانت تعارض صعود مجتبى خامنئي أو لعبت دورًا في إبعاده عن بعض دوائر القرار خلال السنوات الماضية.

ومن بين ما ذكره خرازي ادعاؤه وجود خلافات بين مجتبى خامنئي وبعض المسؤولين المقربين من والده، وأن هناك صراعًا على النفوذ داخل ما يُعرف بـ"بيت القيادة"، وهو المصطلح الذي يُستخدم في إيران للإشارة إلى الدائرة السياسية والأمنية المحيطة بالمرشد.

صراع على النفوذ بعد انتقال القيادة

يرى مراقبون أن تصريحات خرازي تعكس النقاشات المتزايدة حول مستقبل بنية السلطة في إيران بعد انتقال القيادة، إذ يمثل مكتب المرشد إحدى أهم مراكز القوة التي تتحكم في الملفات الأمنية والسياسية والاستراتيجية.

وقد أثارت مسألة خلافة علي خامنئي، الذي لقي حتفه في 28 من شباط/فبراير الماضي جراء الضربات الأمريكية والإسرائيلية على مقر إقامته في طهران، اهتمامًا واسعًا داخل إيران وخارجها، خصوصًا بشأن طبيعة دور مجتبى خامنئي ومدى قدرته على إدارة شبكة النفوذ التي تشكلت خلال عهد والده.

مجتبى أكثر تشددًا من والده

وفي هذا السياق، ركز خرازي على الحديث عن وجود تيارات مختلفة داخل المؤسسة القيادية، مدعيًا أن بعض الشخصيات تسعى للحفاظ على نفوذها، فيما يحاول فريق جديد إعادة تشكيل مراكز القرار.

لكن خرازي يصر على أنه ليس شخصًا بعيدًا عن دوائر القرار، إذ يقول إنه يعرف مجتبى خامنئي منذ نحو أربعة عقود، ويتحدث عن لقاءات ومحادثات خاصة جمعته به.

وفي مقاطع فيديو أخرى، دخل خرازي في تفاصيل ما وصفها بالخلافات الداخلية داخل مكتب علي خامنئي السابق؛ إذ ادعى أن مكتب المرشد السابق كان "فاسدًا جدًا"، وأن أصغر حجازي، أحد أكثر الشخصيات نفوذًا في مكتب علي خامنئي، أبعد مجتبى خامنئي عن مكتب والده لمدة ثلاث سنوات.

كما اتهم خرازي، من دون تقديم أدلة، شقيق وحيد حقانيان، المسؤول السابق في مكتب المرشد، بوجود صلات له مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA).

وفي تفاصيل أخرى، يؤكد خرازي علاقته القديمة بعائلة خامنئي، قائلًا إنه كان "صديقًا لمجتبى خامنئي منذ 40 عامًا"، وإنه عقد معه "جلسات خاصة مهمة".

وقال إنه لو لم تكن لديه "علاقة خاصة" مع علي خامنئي ومجتبى خامنئي، لما سمحا ببقاء مكتب تنظيم "حزب الله إيران".

وفي وصفه للمرشد الإيراني الحالي، قال: "الله اختار لنا الحاج مجتبى"، مضيفًا أن أفكاره وطريقة تعامله "أكثر تشددًا بكثير" من والده.

كما وجه خرازي اتهامات إلى شخصيات أخرى مرتبطة بمكتب القيادة؛ فقد وصف مهدي فضائلي، عضو مكتب حفظ ونشر آثار علي خامنئي، بأنه كان من مؤيدي التيار اليساري المتشدد، واتهم آخرين في المكتب بأنهم كانوا من أنصار حسين علي منتظري، نائب المرشد السابق الذي أُقيل في ثمانينيات القرن الماضي.

كما هاجم عليرضا مرندي، الطبيب السابق للمرشد علي خامنئي، واتهمه بالفساد بسبب سياساته السكانية. وأضاف خرازي أن هناك "اختراقًا أمنيًا" داخل مكتب المرشد السابق، ونسب هذا الكلام إلى وزير الخارجية عباس عراقجي، من دون تقديم أي دليل.

اتهامات متبادلة بشأن النفوذ داخل المؤسسة

لم يكتفِ خرازي بالحديث عن خلافات داخل مكتب القيادة، بل اتهم بعض الشخصيات السابقة في دائرة المرشد بامتلاك نفوذ غير معلن، وطرح ادعاءات بشأن وجود اختراقات أو صراعات داخلية.

كما تحدث عن وجود ما وصفه بـ"ثغرات أمنية" داخل المكتب السابق، وربط ذلك بخلافات بين مراكز مختلفة داخل النظام.

لماذا أثارت تصريحات خرازي الاهتمام؟

تكمن أهمية تصريحات خرازي في أنه لا يقدم نفسه كشخصية بعيدة عن دوائر الحكم، بل يستند إلى علاقاته العائلية والسياسية، إذ تربطه صلة قرابة بعائلة خامنئي، كما ينتمي إلى عائلة دينية وسياسية معروفة في إيران.

لكن منتقديه يقولون إن هذه العلاقات لا تعني بالضرورة امتلاكه معلومات موثوقة عن القرارات الداخلية، خصوصًا أن عددًا من تصريحاته السابقة تعرض للنفي من قبل مؤسسات رسمية.

في المقابل، يرى بعض المحللين أن مجرد طرح هذه الروايات علنًا يعكس وجود نقاشات داخلية حول شكل القيادة المستقبلية وتوازنات القوى داخل النظام الإيراني.

وكان مجتبى زارعي، النائب عن طهران في البرلمان الإيراني، قد اتخذ موقفًا أكثر حدة، إذ كتب مخاطبًا خرازي أنه إذا قررت النيابة اعتقاله ومحاكمته، وصدر بحقه حكم بالجلد، فإنه "مستعد لتنفيذ الحكم بنفسه بكل فخر".

وأضاف زارعي أن انتقاد المسؤولين، وحتى انتقاد المرشد، أمر مقبول، لكن "صناعة قنبلة فتنة" في ظروف الحرب أمر غير مقبول.

في المقابل، سخر النائب المحافظ المتشدد حميد رسائي من تصريحات خرازي، واقترح بشكل ساخر أن يقدم بزشكيان استقالته مرة أخرى، "حتى يتضح ما إذا كان خرازي صادقًا في ادعاءاته أم لا".

أما النائب علي رضا نوين، فقد انتقد تصريحات خرازي من زاوية أخرى، واعتبره مثالًا لما وصفه بظاهرة "المطلعين والمتصلين الوهميين"، في إشارة إلى أشخاص يدّعون امتلاك معلومات خاصة أو علاقات مباشرة مع مراكز القرار بهدف اكتساب النفوذ والشهرة.

وطالب نوين السلطات القضائية بمساءلة خرازي ومطالبته بتقديم الأدلة والوثائق التي تثبت صحة ما ينسبه إلى المسؤولين، خصوصًا أن تصريحاته تضمنت معلومات منسوبة إلى شخصيات ومؤسسات عليا في الدولة.

كما دخلت صحيفة "جمهوري إسلامي" المحافظة على خط الانتقادات، حيث وصفت خرازي بأنه "شخص معروف بسوء السمعة"، واعتبرت تصريحاته بشأن استقالة بزشكيان "اختلاقات" و"مخالفة للمصلحة الوطنية".

وطالبت الصحيفة السلطة القضائية باتخاذ إجراءات حازمة ضد من يطلقون مثل هذه الادعاءات.

وفي تعليق لاحق، كتبت الصحيفة أن تصريحات خرازي لا ينبغي التعامل معها باعتبارها "حادثة عادية"، معتبرة أن بعض التيارات تتحرك كلما اقتربت المفاوضات من الوصول إلى نقطة قد تؤدي إلى تهدئة واستقرار وتقليل احتمالات الحرب.

وذهبت الصحيفة إلى أن تصريحات خرازي حول استقالة الرئيس جاءت في إطار محاولات عرقلة التوصل إلى تفاهمات بشأن إدارة مضيق هرمز.

من أين جاء خرازي؟

رغم الجدل الحالي، فإن اسم محمد باقر خرازي ليس جديدًا في السياسة الإيرانية. ولد خرازي في السابع من يوليو/تموز عام 1961 في مدينة قم، وهو نجل آية الله محسن خرازي، عضو مجلس خبراء القيادة وأحد رجال الدين البارزين في الحوزة العلمية بقم.

أما شقيقه صادق خرازي، فهو دبلوماسي إيراني سابق شغل منصب سفير إيران في فرنسا، وكان أيضًا ممثل إيران لدى الأمم المتحدة، بينما كان عمه كمال خرازي وزير الخارجية الإيراني خلال عهد الرئيس الأسبق محمد خاتمي، الذي لقي حتفه في الحرب الأخيرة جراء الضربات الإسرائيلية.

كما أن شقيقته متزوجة من مسعود خامنئي، أحد أبناء شقيق المرشد الإيراني الحالي، وهو ما يمنحه صلة عائلية مباشرة بعائلة خامنئي.

ومنذ تسعينيات القرن الماضي، يشغل خرازي منصب الأمين العام لتنظيم "حزب الله إيران"، كما أسس وأدار عددًا من المراكز الدينية والحوزوية.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة