العالم
من تصدير الميليشيات إلى استيرادها.. لماذا استدعت طهران وكلاءها إلى الداخل؟

لم يكن هذا المشهد مألوفًا طوال العقود الأربعة الماضية، فالنظام الذي بنى جزءًا كبيرًا من نفوذه الإقليمي على تأسيس الميليشيات المسلحة ودعمها خارج الحدود، يجد نفسه اليوم أمام تقارير تتحدث عن انتقال مقاتلين عراقيين موالين له إلى الداخل الإيراني.
ويعكس هذا التطور، إذا اتسع نطاقه، تحولًا لافتًا في طريقة إدارة الأمن داخل الجمهورية الإسلامية.
فخلال الأسابيع الأخيرة، نشرت شبكة CNN، نقلًا عن مصدر أوروبي وآخر أمني عراقي، معلومات عن دخول مقاتلين عراقيين إلى إيران في ظل الحرب والتوترات الأمنية التي شهدتها البلاد.
كما نقلت عن قيادي في "الحشد الشعبي" إقراره بوجود عراقيين داخل إيران، مشيرًا إلى أن انتقالهم "تم بصورة فردية وبدوافع عقائدية"، وليس بقرار رسمي من هيئة الحشد.
وفي السياق نفسه، نشر موقع "إيران إنترناشيونال" عدة تقارير مدعومة بمقاطع فيديو تُظهر عناصر يُعتقد أنهم من الحشد الشعبي في مدينة عبادان جنوب غربي إيران، ما يوفر مؤشرًا بصريًّا على وجود هذه القوات داخل البلاد، رغم غياب أي تأكيد رسمي.
وتحدثت التقارير عن وصول مئات العناصر من فصائل عراقية موالية لطهران إلى محافظات إيرانية، بينها الأهواز وعبادان، قبل أن ينشر لاحقًا شهادات لسكان محليين تحدثوا عن انتشار مسلحين عراقيين في بعض المدن وإقامتهم نقاط تفتيش ووجودهم قرب منشآت أمنية، إلى جانب اتهامات بوقوع تجاوزات بحق مدنيين.
الوكلاء.. في إيران
طوال سنوات، ارتبط اسم الفصائل العراقية الموالية لإيران بدورها في تنفيذ استراتيجية ما يسمى "محور المقاومة"، سواء في العراق أو سوريا أو غيرهما من ساحات النفوذ الإيراني.
لكن التقارير الأخيرة تطرح سؤالًا مختلفًا: هل بدأت طهران تستفيد من الشبكة التي بنتها خارج حدودها لتعزيز أمنها الداخلي؟
يرى معهد دراسة الحرب الأمريكي، أن الفصائل العراقية أصبحت جزءًا أساسيًّا من المنظومة الأمنية الإقليمية التي بنتها إيران خلال العقدين الماضيين، ولم تعد مجرد أدوات تعمل خارج الحدود، بل قوة يمكن الاستفادة منها كلما اقتضت الحاجة، بما في ذلك داخل العمق الإيراني إذا استدعت الظروف.
ولا يتعلق الأمر، بحسب مراقبين، بحاجة إيران إلى مزيد من المقاتلين، فالحرس الثوري والباسيج والجيش يمتلكون أعدادًا كبيرة من العناصر، وإنما بالاستفادة من تشكيلات اكتسبت خبرات ميدانية طويلة، ويمكن أن تؤدي أدوارًا مساندة في ظروف استثنائية.
جدل قانوني وأمني
يثير هذا الملف أيضًا نقاشًا قانونيًّا داخل الأوساط الإيرانية المعارضة. فقد اعتبرت منظمة "دادبان" الحقوقية أن وجود أي تشكيلات عسكرية أجنبية داخل إيران، يثير تساؤلات في ضوء المادة 146 من الدستور الإيراني التي تحظر إقامة وجود عسكري أجنبي داخل البلاد، حتى للأغراض غير القتالية.
ورغم غياب بيانات رسمية تؤكد حجم هذا الوجود أو طبيعته، فإن تداول هذه القضية يعكس حجم الضغوط الأمنية التي تواجهها طهران، سواء على المستوى الداخلي أو في ظل التصعيد الإقليمي.
ما وراء الأرقام
تشير تقارير وسائل الإعلام الإيرانية المعارضة إلى أن أعداد المقاتلين العراقيين في إيران تتجاوز 800 مقاتل من الحشد الشعبي.
لكن أهمية القضية لا تكمن في عدد العناصر بقدر ما تكمن في الاتجاه الذي تعكسه.
فإذا كانت إيران أمضت عقودًا في تصدير النفوذ وبناء الميليشيات والفصائل خارج حدودها، فإن المعلومات اليوم عن انتقال مقاتلين من هذه الفصائل إلى الداخل الإيراني تشير إلى تحول لافت في طبيعة العلاقة بين طهران ووكلائها.
وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس كم عدد المقاتلين الذين دخلوا إيران، بل ما إذا كانت الجمهورية الإسلامية بدأت للمرة الأولى تستفيد من الشبكة التي أنشأتها خارج حدودها لتعزيز أمنها في الداخل، بعد أن ظلت لعقود تستخدمها لتعزيز نفوذها في الخارج.





