تكنولوجيا وعلوم
كشفت دراسة جديدة لباحثي معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن تجعُّدًا دقيقًا بعرض ميكرومتر واحد في شريحة إلكترونية يخفض التوصيل الحراري المحلي بأربعة إلى خمسة أضعاف، ويسبب انتشاراً غير متناظر للحرارة حوله.

أظهرت دراسة حديثة أجراها باحثو معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) أن تجعُّداً دقيقاً لا يتجاوز عرضه ميكرومترًا واحداً يمكن أن يشكّل عائقاً جوهرياً أمام انتقال الحرارة داخل الأجهزة الإلكترونية. وبيّنت النتائج أن هذا العيب المجهري يخفض التوصيل الحراري المحلي بنسبة تتراوح بين أربعة وخمسة أضعاف، ما يعيق خروج الحرارة ويؤدي إلى تكوّن مناطق حرارية خطرة، كما يغيّر نمط انتشار الحرارة بحيث يختلف سلوكها عند الاقتراب من التجعُّد من الاتجاهين المتعاكسين.
ويُبرز هذا الاكتشاف كيف أن العيوب الدقيقة على المستوى الذري قد تُشكّل اختناقات حرارية خفية داخل الإلكترونيات المتطورة ذات القدرة المتزايدة، ما يحدّ من أدائها. وقال مينغدا لي، أحد مؤلفي الدراسة وأستاذ مشارك في علوم وهندسة الطاقة النووية بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «أعتقد أن ارتفاع درجة الحرارة أصبح العقبة الحقيقية أمام أداء الأجهزة».
وبالإضافة إلى ذلك، طوّر فريق البحث طريقةً جديدةً لرسم الخريطة المباشرة لهذه الاضطرابات الحرارية داخل المواد المُرقَّبة متعددة الطبقات، وهي مهمة لم تتمكن التقنيات التقليدية لقياس النقل الحراري من تحقيقها بدقة.
مع زيادة كثافة الترانزستورات داخل مساحات أصغر، تصبح السيطرة على الحرارة التي تولدها هذه المكونات أكثر صعوبةً بشكلٍ متزايد، خاصةً في الأجهزة الفعلية التي تحتوي عادةً على خمس طبقات أو أكثر يجب أن تمرّ الحرارة عبرها.
وتتوفر بالفعل تقنيات لقياس النقل الحراري، لكنها تواجه قيوداً جوهرية. فعلى سبيل المثال، تعتمد الطرق البصرية مثل قياس الانعكاس الحراري في المجال الزمني على إشارات ضوئية عامة، ولا تسمح بتمييز سلوك النقل الحراري داخل الطبقات المطمورة تحت السطح.
وأوضح جيهوان كيم، أحد مؤلفي الدراسة وأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «بما أن هذه التقنية تعتمد على الضوء، فهي لا تتيح دراسة الطبقات المختلفة. والأجهزة الحقيقية تحتوي عادةً على خمس طبقات أو أكثر. كما أنها تقدّم إشارة عامة فقط، ما يجعل من الصعب رؤية النقل الحراري داخل الطبقات المطمورة تحت السطح».
أما الكاميرات الحرارية بالأشعة تحت الحمراء، فرغم قدرتها على تتبع التغيرات في درجة الحرارة، فإنها تفتقر إلى الدقة المكانية والزمنية اللازمة لمراقبة التغيرات الصغيرة جداً والسريعة للغاية.
وهذا يعني أن الباحثين غالباً ما يستطيعون قياس كمية الحرارة التي تبددها الشريحة دون القدرة على تحديد الموقع الدقيق الذي تتراكم فيه تلك الحرارة.
ولمواجهة هذه المشكلة، اعتمد فريق معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا على دمج نبضات الليزر مع حيود الأشعة السينية الفائق السرعة. فقد استخدم الفريق ليزراً لتسخين المادة بسرعة، ثم استخدم الأشعة السينية لتتبع التغيرات في شبكة بلورتها أثناء انتشار الحرارة.
ويقوم هذا الأسلوب على حقيقة أن تسخين البلورة يؤدي إلى انزياح ذراتها بشكل طفيف، ما يغيّر المسافات بين الذرات في شبكتها البلورية، وبالتالي ينتج عنه تغيّر قابل للقياس في نمط حيود الأشعة السينية.
وبقياس هذه التغيرات في مواقع مختلفة وأوقات مختلفة بعد نبضة الليزر، تمكّن الباحثون من إعادة بناء كيفية انتشار الحرارة عبر المادة.
وقد قدّمت الأشعة السينية ميزةً حاسمةً أخرى: فهي قادرة على استكشاف البنية الطبقية للمادة، وليس الاعتماد فقط على القياسات السطحية. وبذلك، استطاع الباحثون دراسة النقل الحراري داخل طبقة نيتريد الغاليوم (GaN)، وتحديد خصائص انتقال الحرارة عبر واجهة نيتريد الغاليوم والسيليكون.
وجرّب الباحثون هذه التقنية على طبقة من نيتريد الغاليوم (GaN) سمكها ٥٠٠ نانومتر موضوعة على سطح سيليكون. وتُعدّ مادة نيتريد الغاليوم واعدةً في تطبيقات الإلكترونيات عالية القدرة بسبب قدرتها على تحمل المجالات الكهربائية العالية والطاقة العالية. وخلال عملية التصنيع، ظهرت في الطبقة الرقيقة عيوب دقيقة، من بينها تجعُّد عرضه نحو ميكرومتر واحد.
وعند مسح المنطقة المحيطة بهذا العيب، لاحظ الباحثون تغيّراً كبيراً بشكل مفاجئ في سلوك النقل الحراري.
فبالقرب من التجعُّد، قاس الباحثون توصيلاً حرارياً محلياً قدره ٢١,٢ ± ١,٢ واط لكل متر-كلفن، أي أقلّ بأربعة إلى خمسة أضعاف من التوصيل الحراري في أجزاء نيتريد الغاليوم المحيطة. كما خفض العيب التوصيل الحراري الحدّي بين نيتريد الغاليوم والسيليكون بنسبة تقارب ٢٥٪، ليصل إلى نحو ٢,١٢ × ١٠⁷ واط لكل متر مربع-كلفن.
غير أن التجعُّد لم يبطئ انتقال الحرارة فحسب، بل أدّى أيضاً إلى انتشار غير متناظر لها حوله.
فسلوك الحرارة القادمة نحو التجعُّد من اتجاهٍ ما اختلف تماماً عن سلوك الحرارة القادمة إليه من الاتجاه المقابل. وهذه النتيجة تدلّ على أن العيب الموضعي قد يحوّل مساراً حرارياً متجانساً في الظروف العادية إلى اختناق اتجاهي.
ويكتسب هذا الاكتشاف أهميةً بالغة لأن «النماذج المستخدمة لمحاكاة تبدد الحرارة تعتمد عادةً على بلورات مثالية خالية من العيوب، بينما توجد هذه النوعية من التجعُّدات الكبيرة بكثرة في المواد ثنائية الأبعاد. ولم يدرك أحد من قبل مدى كمية الحرارة التي تحجبها هذه التجعُّدات. وهذه الأمور يمكننا الآن ملاحظتها مباشرةً باستخدام هذه التقنية»، على حد قول لي.
وتتيح هذه التقنية الجديدة مراقبة هذا التأثير بدلاً من متوسطه مع سلوك المادة المحيطة، ما قد يسهم في تكوّن مناطق حرارية محلية تؤثر في موثوقية الأجهزة الإلكترونية وطول عمرها الافتراضي.
ويرى الباحثون أن هذه المنهجية قد تساعد المهندسين مستقبلاً في تحديد السمات المجهرية المسؤولة عن ارتفاع درجة الحرارة في الأجهزة الإلكترونية. وقد تكتسب هذه الأداة قيمةً كبيرةً مع تزايد تركيز القدرة الحاسوبية في مساحات أصغر، بما في ذلك الأجهزة المصممة للذكاء الاصطناعي والإلكترونيات عالية القدرة والأجهزة المرنة.
لكن هذه المنهجية تبقى حتى الآن تقنية مخبرية متخصصة تتطلب مرافق أشعة سينية متطورة، وبالتالي فهي ليست بديلاً عملياً بعد للاختبارات الحرارية الروتينية في تصنيع أشباه الموصلات.
كما ركّز التقييم الحالي على هيكل نيتريد الغاليوم على السيليكون، وليس على شريحة تجارية كاملة.
ومع ذلك، يرى الباحثون أن التقنية قابلة للتكيف مع مواد وتصاميم أجهزة أخرى، وقد أعرب اتحاد صناعي لقطاع أشباه الموصلات بالفعل عن اهتمامه باستخدامها لدراسة أنواع مختلفة من الشرائح.
وفي المحصلة، قد تحوّل هذه الدراسة هندسة الأنظمة الحرارية من التعامل مع المواد ككتل متجانسة إلى التركيز على العيوب المجهرية والInterfaces التي تتحكم فعلياً في أماكن احتجاز الحرارة.
وبالنسبة للإلكترونيات المُصغَّرة بشكل متزايد، فإن الكشف عن هذه الاختناقات المجهرية قد يكون أمراً جوهرياً لمنع تحوّل المناطق الحرارية المحلية إلى عامل محدِّد لأداء الأجهزة.
ونُشرت الدراسة في مجلة Nature Communications.