Daily Beirut
الطبعة·صحيفة مستقلة من بيروت

ثقافة ومجتمع

اختيار الذات ليس أنانيةً بل ضرورةٌ للصحة النفسية

توضح المختصة شارون مارتن أن وضع الذات في المرتبة الأخيرة يُضعف الصحة النفسية والجسدية، وتشرح كيف يُعد اختيار الذات فعلًا صحيًّا وليس أنانيةً، مع خطوات عملية لبناء تقدير الذات ووضع الحدود.

··قراءة 3 دقائق
اختيار الذات ليس أنانيةً بل ضرورةٌ للصحة النفسية
مشاركة

أصدرت الاختصاصية شارون مارتن، الحاصلة على دكتوراه في العلوم الاجتماعية (DSW) ومرخَّصة كأخصائية اجتماعية سريرية (LCSW)، دليلاً بعنوان «التغلب على التعلُّق المفرط»، تركز فيه على بناء تقدير الذات، والتعبير عن الاحتياجات الشخصية، وإعطاء الأولوية للرفاه النفسي والجسدي.

ما المقصود بالحزم في التعبير عن الذات؟

تشير مارتن إلى أن علامات صعوبة اختيار الذات تشمل: التراجع عند وضع الحدود، والسماح للآخرين بالإساءة، وإهمال الاحتياجات الشخصية لتلبية رغبات الآخرين، وتجاهل أو تقليل شأن المشاعر، وتفويت رعاية الذات بسبب الانشغال برعاية الآخرين، مع الاعتقاد بأن ذلك مقبول أو لا بد منه. وتسأل: هل تُفضِّل باستمرار رفاه الآخرين على رفاهك أنت؟

وتوضح أن اختيار الذات لا يعني تجاهل احتياجات الآخرين أو الانغلاق الأناني، بل هو الاعتراف بأن احتياجاتك ومشاعرك وصحتك تساوي في الأهمية احتياجات ومشاعر وصحة الآخرين. وهو يتضمَّن طلب ما تحتاجه، والوقوف في وجه الإساءة، والاعتراف بصدق مشاعرك، والعناية بجسدك وعقلك وروحك، ومعاملة نفسك كما تعامل صديقًا عزيزًا، ووضع حدود واضحة، والتمسك بقيمك ومعتقداتك، واتخاذ ما يخدم مصلحتك الحقيقية.

لماذا يصعب اختيار الذات رغم وضوح فائدته؟

تبيِّن مارتن أن الصعوبة قد تنبع من الاعتقاد الخاطئ بأن وضع الذات أولًا هو تصرُّف أناني أو قاسٍ. لكنها تؤكد أن العلاقات البالغة الصحية تقوم على التبادل المتوازن، وأن تأجيل الاحتياجات الشخصية أحيانًا أمرٌ مقبول، أما إهمالها بشكل متكرر فيؤدي إلى الإرهاق النفسي والجسدي، والشعور بالاستياء والفراغ الداخلي.

وتشير إلى سبب آخر هو غياب الإيمان بأهمية الذات، إذ قد يعتقد البعض أن القيمة الإنسانية يجب أن تُكتسب، أو أن بعض الأشخاص فقط هم من يستحقون السعادة والأمان، أو أن المقارنة بالآخرين تُثبت نقصهم في الذكاء أو الجاذبية أو النجاح أو الفكاهة، مما يجعل آراءهم واحتياجاتهم ومشاعرهم وحدودهم تبدو غير جديرة بالاعتبار.

كيف تبدأ في إعادة الاعتراف بقيمة ذاتك؟

توصي مارتن بالبدء بمراقبة الأفكار تجاه الذات، وعدم قبولها كحقائق دون مساءلة، بل استكشاف مصدر كل فكرة والتحقق من صحتها. وتشدد على أن الاعتقادات الطويلة الأمد قد تكون مبنية على آراء الآخرين لا على الواقع، وأن الفرد حرٌّ في اختيار ما يؤمن به عن ذاته، ويمكنه اختيار أفكار تعكس قيمته الجوهرية.

كما تشير إلى أن بناء تقدير الذات يتم أيضًا عبر السلوك: كالتأكل عند الشعور بالجوع، والاستراحة عند التعب، وممارسة النشاط البدني، والاعتراف بالمشاعر، والاستمتاع بالبساطة، والبقاء في الطبيعة، وممارسة الهوايات، والانخراط مع أشخاص داعمين، والإفصاح عن الرأي، ووضع الحدود، وتهدئة الذات في الأوقات الصعبة، والكتابة في اليوميات.

وتوصي بتحديد فعلين أو ثلاثة أفعال رعاية ذاتية يوميًّا، وتدوينها والالتزام بها عمليًّا.

هل سيؤثر اختيار الذات سلبًا على علاقاتك؟

تعترف مارتن بأن كثيرين يخشون أن يؤدي التعبير الحازم عن الذات إلى توتر العلاقات، وهو ما قد يحدث جزئيًّا. لكنها تؤكد أن هذا التعبير ليس أنانية، ولا يعني تجاهل رغبات الآخرين. فالعلاقات الصحية تُبنى على الاحترام المتبادل والدعم، وأولئك الذين يهتمون بك حقًّا يرغبون في أن تتحدث باسمك، وأن تُلبَّى احتياجاتك، وأن تصبح أكثر سعادة وثقة واستقلالية، وهم مستعدون للتضحية والتكيف مع ما يهمك.

أما من يفضلون أن تكون «سجادة يُداس عليها»، أو لا يهتمون بما إذا كنت سعيدًا أو واثقًا أو مُرضيًا عن ذاتك، فتسأل: لماذا تريدهم شركاء في حياتك؟ وقد توجد مثل هذه العلاقات فعليًّا، رغم أنها لا تمثل ما تتمناه. ويصعب التخلّي عن من نحب أو نرتبط بهم عائليًّا، حتى لو كانت تلك الروابط ضارة بنا.

لكن مارتن تؤكد أنك لست بحاجة إلى إذن من أحد لاختيار ذاتك. ويمكنك البدء الآن بوضع الحدود، وطلب ما تحتاجه، والإفصاح عن مشاعرك وآرائك، وإعطاء الأولوية لرعاية ذاتك. وقد يقاوم البعض هذه التغييرات في البداية، لكن بعضهم سيتكيف تدريجيًّا، بل وقد يقدّر النسخة الأكثر حزمًا وثقة ورضاً منك. أما الآخرون فقد لا يفعلون، وهنا تقع عليك مسؤولية اتخاذ القرار حول استمرار وجودهم في حياتك، وكيفية ذلك.

وتختتم بالقول: إن قرار البدء باختيار ذاتك يعود لك وحدك. فإن كنت مستعدًّا، فابدأ بخطوة صغيرة اليوم. وإن لم تكن مستعدًّا بعد، فاعلم أن الوقت المناسب سيكون حين تقرر أنك جاهز.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة