ثقافة ومجتمع

يواجه العديد من الآباء والأمهات صعوبات كبيرة في إدارة وقت الشاشة لأطفالهم، خاصة في ظل الانتشار الواسع للأجهزة الرقمية والإغراءات التكنولوجية التي تحيط بهم في حياتهم اليومية. وعلى الرغم من التوصيات الطبية، مثل تلك الصادرة عن الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، التي تدعو إلى تقليل وقت الشاشة للأطفال الصغار، إلا أن تطبيق هذه التوصيات على أرض الواقع قد يكون أكثر تعقيداً مما يبدو.

في كثير من الأحيان، يلجأ الآباء إلى استخدام الأجهزة اللوحية، مثل الآيباد، كحل سريع لتهدئة أطفالهم أثناء نوبات الغضب. ولكن هل هذا الحل فعّال على المدى الطويل؟ تشير الأبحاث إلى أن الاعتماد على الشاشات كـ"مهدئ رقمي" قد يكون له عواقب سلبية على نمو الأطفال العاطفي والنفسي.
فيرونيكا كونوك، الباحثة في مجال علم النفس، تؤكد أن استخدام الأجهزة الرقمية لتهدئة نوبات الغضب لدى الأطفال يمكن أن يعيق تطور مهارات تنظيم المشاعر لديهم. وفي دراسة أجرتها على أولياء أمور كنديين، وجدت أن الأطفال الذين يتعرضون بشكل متكرر للشاشات بهدف تهدئتهم يصبحون أكثر عصبية وأقل قدرة على التحكم في مشاعرهم مع مرور الوقت. وأشارت كونوك إلى أن هذه الممارسة تخلق حلقة مفرغة، حيث يزداد استخدام الأطفال للشاشات كلما زادت صعوبة التحكم في غضبهم.
من بين المشكلات الرئيسية التي يسببها الاعتماد على الشاشات في تهدئة الأطفال هي أنها تحرمهم من فرصة تعلم كيفية إدارة مشاعرهم بشكل مستقل. بدلاً من ذلك، يعتاد الأطفال على الهروب من مشاعرهم السلبية من خلال الانشغال بالأجهزة الإلكترونية، مما يعيق نمو مهارات أساسية مثل الهدوء الذاتي والتعامل مع الضغوط.
فكيف يمكن للآباء التعامل مع نوبات الغضب دون اللجوء إلى الشاشات؟ يقدم الخبير النفسي تافا كلاين بعض النصائح العملية، حيث يشدد على أهمية مساعدة الأطفال على التعرف على مشاعرهم وتسميتها. على سبيل المثال، يمكن للوالدين أن يقولوا للطفل: "أرى أنك غاضب الآن"، مما يساعده على فهم ما يشعر به. بعد ذلك، يمكن تقديم الدعم العاطفي من خلال التهدئة البدنية، مثل العناق، أو توفير طرق بديلة للتعبير عن المشاعر، مثل الركل على وسادة أو ممارسة تمارين التنفس العميق.
هذه الأساليب لا تساعد فقط في تهدئة الطفل في اللحظة الراهنة، بل تساهم أيضاً في بناء علاقة ثقة بين الطفل ووالديه، وتعزز قدرته على تطوير مهارات إدارة المشاعر بشكل صحي. ورغم أن التعامل مع نوبات الغضب قد يكون مرهقاً، إلا أن الخبراء يؤكدون أن كل لحظة تمر هي فرصة لتعليم الطفل كيفية التعامل مع مشاعره بشكل أفضل، مما يعود عليه بالفائدة على المدى الطويل.



