مقالات

جرت رياح الإستيراد في العام 2022 بعكس ما تشتهي سفن الخطط الإقتصادية والمالية. محاولات تضميد نزيف الدولار الحاد، قوّضها العجز الهائل في الميزان التجاري. أرقام الواردات الهائلة التي سجلت واحداً من أعلى معدلاتها على الإطلاق، عادت لتنكأ جراح الحساب الجاري، وتهدّد بجفاف الجسم الهزيل من النقد الصعب.
تشير إحصاءات التجارة الخارجية في إدارة الجمارك، إلى أن قيمة الواردات لغاية 30 تشرين الثاني 2022 بلغت حوالى 17 مليار و799 مليون دولار. ومن المتوقع أن ترتفع من حدود 13.6 مليار دولار في العام 2021 إلى 19.5 مليار دولار مع نهاية هذا العام، أي بنسبة 30 في المئة، إذا ما أضفنا توقعات أرقام كانون الأول الحالي. وذلك بالاستناد إلى متوسط الاستيراد الشهري، الذي يبلغ حوالى 1.5 مليار دولار. في المقابل بلغت قيمة الصادرات في الأشهر الأحد عشر الأولى من هذا العام 3.3 مليارات دولار، مع التوقع أن تنخفض من 3.9 مليارات دولار في العام 2021 إلى حدود 3.6 مليارات دولار في 2022، وبنسبة تراجع تبلغ 9 في المئة. ما يعني أن العجز في الميزان التجاري سيبلغ في العام 2022 حوالى 16 مليار دولار، بالمقارنة مع 9.7 مليارات دولار في العام 2021.
أسباب زيادة الواردات
في الوقت الذي يرى فيه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أن ارتفاع الواردات بنسبة 40 في المئة عن العام 2021 دليل تعافٍ وصحة، تُظهر أصناف المستوردات خطورة هذا الخلل. إذ تحتل الوقود والزيوت رأس قائمة المستوردات. تليها مباشرة السيارات والجرارات والدراجات. ومن ثم اللؤلؤ والمعادن الثمينة. ومن بعدها الآلات والاجهزة الكهربائية. وقد بلغت قيمة المستوردات من هذه الاصناف في الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي أكثر من 6 مليارات دولار، تشكل أكثر من 60 في المئة من مجمل المستوردات، التي بلغت 10.5 مليارات دولار في أول سبعة أشهر.
يمكن ربط الزيادة في الواردات هذا العام بالمقارنة مع العامين 2020 (11.3 مليار دولار)، و2021 (13.6 مليار دولار) بعنصرين أساسيين.
استيراد المشتقات النفطية لتغطية احتياجات السوقين اللبناني والسوري مستمر منذ العام 2019. فمع بدء تضييق الخناق على النظام السوري عبر عقوبات «ماغنتسكي» و»قيصر» في العام 2019 ارتفعت فاتورة استيراد المحروقات في لبنان من متوسط 4 مليارات دولار في السنوات 2015 – 2018 إلى حدود 6.5 مليارات دولار في العام 2019. وهذا ما يمكن الاستدلال عليه أيضا بزيادة أوزان المستوردات من المشتقات النفطية التي وصلت في العام 2019 إلى 11.8 مليون طن.
قيمة الواردات أكبر من الناتج
أكثر ما يحيّر الخبراء والمتابعين للشأن الإقتصادي، هو كيف يمكن لبلد مأزوم، أو حتى غير مأزوم، أن تزيد وارداته أو تتعادل مع إجمالي حجم ناتجه الوطني. ففي ظل عدم اليقين الشديد، توقع البنك الدولي أن ينكمش إجمالي الناتج المحلي الحقيقي المقدر بـ 21 مليار دولار بنسبة 6.5 في المئة. ما يعني انخفاضه عن 20 مليار دولار ومعادلته رقم الاستيراد. ذلك مع العلم أن بعض التقديرات ترجح أن يكون الناتج الوطني هذا العام قد بلغ 16 مليار دولار. وإذا استثنيا قيمة استيراد المحروقات والسيارات التي تعتبر قريبة من العام 2021، فان نسبة الاستيراد العالي لبقية المنتجات لم تنعكس زيادة في الطلب في الاسواق»، يقول عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي عدنان رمال. و»بقيت الأسواق تعمل بحدود 30 في المئة من مجمل النشاط المحقق في العام 2019، مع العلم أن أرقام الواردات متقاربة بين العامين. وذلك على الرغم من زيادة طفيفة بنسبة المبيعات هذا العام بالمقارنة مع العام 2021 نتيجة فك إجراءات حظر كورونا، وزيادة عدد السياح.
هذا اللغز لا يمكن تفسيره إلا باستيراد لبنان كميات إضافية لتلبية طلب السوق السوري ليس بالمحروقات فحسب، إنما بمختلف السلع والمنتجات الاخرى. ولا سيما منها الزراعية والصناعية والكيماويات… وخلافه من المواد التي تواجه سوريا صعوبة باستيرادها نتيجة نقص الدولار وتشديد العقوبات على حد سواء. وتقدر حصة الاستيراد للسوق السوري من الميزان التجاري اللبناني بحوالى 7 مليارات دولار. بيد أن المشكلة أن هذه الدولارات تطلب من السوق المحلي وتؤدي إلى زيادة كبيرة بالطلب على الدولار وبالتالي تراجع سعره أمام الليرة اللبنانية.
«العجز الهائل في ميزان المدفوعات إذا ما قارناه بحجم الناتج المحلي الإجمالي، يبرر الإنهيار المستمر لليرة مقابل الدولار»، بحسب رمال. «إذ لا يوجد بلد واحد في العالم يستورد أكثر من حجم اقتصاده. ولو كان الإستيراد بغرض الاستهلاك محلياً، لكنا رأينا ارتفاعاً تلقائياً بالناتج المحلي الإجمالي وتحقيق الاقتصاد معدلات نمو وليس انكماشاً. أما وأن الناتج مستمر بالإنخفاض، فهذا دليل على أن الإستيراد ليس محصوراً بالسوق اللبناني. وهو الأمر الذي يشكل ضغطاً كبيراً على الليرة. ويهدد بالمزيد من الانهيارات في سعر الصرف.