مقالات

خلافاً لكل التكهنات والتحليلات التي سبقتها ونعتها سلفاً، فان وقائع زيارة موفد الرئاسة الفرنسية الخاص الى بيروت جان إيف لودريان، اعادت الاعتبار الى كثير من الوقائع والمعطيات الجديدة - القديمة، الى درجة ان ثمة من اطلق عليها زيارة الضرورة لكي يعيد كل طرف النظر في حساباته وتوقعاته، اذ لا شك في ان هذه الزيارة السادسة منذ بدء الشغور الرئاسي، كشفت أمرين اثنين:
الاول، اصرار فريق الثنائي الشيعي ومَن حالفه على التمسك بخياراته الاولى المعروفة بترشيح سليمان فرنجية للرئاسة الاولى وانه ثابت عليه ولا يناور بهذا الامر.
وثمة في اوساط هذا الفريق من يتحدث عن ان هذا الاعلان المتجدد الذي أتى حاسما على لسان رئيس مجلس النواب نبيه بري كما على لسان رئيس كتلة "حزب الله" النائب محمد رعد كان ضروريا لاعتبارين: الاول انه اتى بعد ضغوط ناعمة وخشنة مورست على هذا الفريق طوال الاشهر الاربعة الماضية تحت عنوان: اسقطوا خياركم الرئاسي وتعالوا نمضي معا الى مرشح الخيار الثالث لنضمن عاجلا طي صفحة الشغور الرئاسي القاتلة. واللافت بحسب مصادر هذا الفريق ان المشاركين في تلك الضغوط، قد روّجوا في الآونة الاخيرة لانطباع فحواه ان الثنائي وتحت وطأة التطورات الدراماتيكية في الجنوب وغزة بات يجنح الى القبول المبدئي بالخيار الثالث، او انه على الاقل قد فتح ابوابه امام المساومة والمقايضة.
ومن هذا المنطلق استبق الرئيس بري زيارة لودريان بساعات واطلق سلسلة مواقف عُدّت قاسية، فحواها "انه الاساس في لعبة صناعة الرئاسة في لبنان سواء تم هذا الامر عبر التحاور او المشاورات". وفي السياق عينه كان موقف فرنجية ايضا عندما تمنى عليه الموفد لودريان الانسحاب من المعركة الرئاسية، فردّ عليه رافضا هذا التمني ومؤكدا انه ليس في هذا الوارد اطلاقا لانه مرشح يحظى بدعم فريق وازن في المعادلة الداخلية.
وقد اعتُبر الموقف الفرنسي انه عبارة عن تراجع اخير ونهائي لباريس عن النسخة الاولى من مبادرتها الرئاسية والتي وضعت اسم فرنجية مرشحا للرئاسة الاولى فيما سمّت نواف سلام مرشحا للرئاسة الثالثة.
الثاني، ان الثنائي استشعر في الآونة الاخيرة ان الفرنسيين بدأوا يتبعون سياسة الارضاء لفريق المعارضة وعموده الفقري الفريق المسيحي، خصوصا ان هذا الفريق قد رفع صوته اخيرا متخوفا من تفاهمات سياسية تحاك في الداخل والخارج.
لذا لم يكن امام هذا الفريق إلا ان يدرأ عن نفسه هذه الشبهة باطلاق هجوم سياسي - اعلامي مضاد يجدد عبره التأكيد على انه ليس في وارد التراجع او التنازل، وانه استتباعا على ثقة من ان رياح التطورات في الداخل والاقليم لن تكون إلا وفق ما تشتهيه سفنه.
وبناء عليه، تقول تلك المصادر انها لم تفاجأ اطلاقا بانطلاق هجمة استباقية من الفريق الآخر على بري و"حزب الله" بلغت مستوى التحضير لتحركات في الشارع بدءا من مدينة طرابلس، والعنوان معروف وهو "مواجهة الاحتلال الايراني" وتحرير لبنان منه.
وبحسب المصادر نفسها فان الفريق اياه مضطر في الايام المقبلة الى استخدام طبقات الصوت الاعلى عنده لانه يعتبر ان الوقت لا يلعب لمصلحته، لذا عليه المبادرة الى الفعل العاجل قبل فوات الاوان.
وبين هذا وذاك ثمة من يتحدث عن معادلة جديدة كشفت زيارة لودريان الاخيرة النقاب عنها، وهي ان طرفي النزاع في لبنان قد وجدا نفسيهما هذه المرة متقاطعين على أمر واحد وهو طي صفحة المبادرة الفرنسية كل من منظوره، اذ ان فريق الثنائي قد عاد الى مربع موقفه الاول من الموضوع الرئاسي وابداء التمسك به، فيما اعلن رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع وبلسان كل المعارضة رفضه القاطع لترشيح فرنجية وللدعوة الى الحوار التي يرفعها الرئيس بري. وحيال ذلك الانسداد والاستعصاء فالواضح ان الانظار ستبقى شاخصة في الايام المقبلة نحو أمرين: الاول المزيد من الاحتدام والتصعيد الداخلي خصوصا من جانب قوى المعارضة التي يبدو انها في حال احتقان وتوتر. والثاني نحو ما يمكن ان تقوم به اللجنة الخماسية.
وفي هذا الشأن يقول عضو كتلة "الاعتدال الوطني" النائب سجيع عطية لـ "النهار": "الارجح والاجدى ان نصوّب الانظار ونبني من الآن فصاعدا على ما يمكن ان يخرج به الحراك المنتظر للجنة الخماسية من مواقف ونتائج". اضاف: "والى ذلك علينا ايضا ان ننتظر نتائج الاجتماع الموعود بين الجانب الفرنسي الذي انهى موفده لودريان للتو جولته السادسة على الفاعليات في بيروت، وبين اللجنة الخماسية لكي نعرف آفاق التحرك المقبل لهذه اللجنة التي ما انفكت تبدي حرصا على استئناف المهمة التي تصدت لها منذ بدء الشغور الرئاسي".
وخلص عطية الى القول: "لا اعتقد ان هناك حراكا منتظرا يعتدّ به قبل انعقاد القمة الفرنسية الاميركية التي صار معلوما ان الوضع اللبناني وملء الشغور الرئاسي واحد من بنودها. ونحن ككتلة نتابع ونرصد لنبني على الشيء مقتضاه ونحدد خطواتنا المقبلة ونوعية تحركنا".
ابراهيم بيرم - النهار



