العالم
شبح الهجوم النووي يربك طهران.. تدابير استثنائية لحماية المدنيين من التصعيد

بدأت إيران الاستعداد لسيناريو التعرض لهجوم نووي أمريكي، في ظل تصاعد التكهنات بشأن احتمال لجوء واشنطن إلى هذا الخيار لضرب منشآت نووية محصنة.
وسلط تقرير نشرته مجلة «نيوزويك» الضوء على إجراءات الطوارئ الإيرانية، وتداعيات أي تصعيد نووي محتمل.
وتصاعدت هذه التكهنات عقب تصريحات للإعلامي المحافظ تاكر كارلسون، قال فيها إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضغط على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدراسة استخدام أسلحة نووية لاختراق جبل «بيكاكس» المحصن في محافظة أصفهان، والذي يُشتبه في استئناف إيران أنشطة تخصيب اليورانيوم أسفله.
لكن ترامب استبعد هذا الخيار، مؤكداً في تصريحات لموقع «بوليتيكو» أنه لا يحتاج إلى استخدام الأسلحة النووية ضد إيران.
ورغم ذلك، أبقى النهج الأمريكي المتقلب والتهديدات المتكررة لطهران احتمالات التصعيد مفتوحة، خاصة مع تعثر تحقيق نصر واضح في المواجهة.
وفي هذا السياق، بدأت السلطات الإيرانية توجيه إرشادات إلى المواطنين بشأن كيفية التعامل مع هجوم نووي محتمل، في خطوة تعكس استعداد طهران لأسوأ السيناريوهات، رغم استبعاد وقوع مثل هذا الهجوم في الوقت الراهن.
إرشادات لمواجهة التلوث الإشعاعي
ونشرت وكالة الأنباء الإيرانية، في 28 أكتوبر/تشرين الأول، تقريراً تضمن توصيات قدمها ممثلون عن الهلال الأحمر في أصفهان وفرق الطوارئ، بشأن إجراءات الاحتماء، وتجنب التعرض للتلوث الإشعاعي في حال وقوع هجوم نووي.
وجاء التقرير ضمن فعاليات أسبوع الدفاع السلبي السنوي، وأُرفق بمقطع مصور تناول الآثار المحتملة لانفجار قنبلة نووية تكتيكية بقوة 15 كيلوطن تحت الأرض. ويقع جبل «بيكاكس» ضمن سلسلة جبال كركس، على بعد نحو ميل واحد جنوب مجمع نطنز النووي.
وتتولى المنظمة الوطنية للدفاع السلبي مسؤولية مواجهة التهديدات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية، وهي مؤسسة تابعة لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، ويقودها العميد في الحرس الثوري غلام رضا جلالي منذ أكثر من 20 عاماً.
وفي هذا الإطار، قال المحلل الأمني الإيراني علي رضا تقوي نيا إن استعدادات بلاده لمواجهة هذه التهديدات تعود إلى الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988.
وأضاف أن المؤسسات العسكرية الإيرانية تمتلك وحدات متخصصة في التصدي للهجمات الكيميائية والميكروبية والإشعاعية، مشيراً إلى أن تجربة الحرب الطويلة منحت طهران خبرة في التعامل مع هذا النوع من التهديدات.
تغيير محتمل في العقيدة النووية
وعلى الرغم من أن المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي أصدر خلال تسعينيات القرن الماضي فتوى تحظر تطوير أسلحة الدمار الشامل، فإن إيران واصلت توسيع برنامجها النووي، وسط اتهامات دولية بشأن أنشطتها السرية التي كُشف عنها مطلع الألفية الجديدة.
وأعاد مقتل خامنئي خلال الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل، أواخر فبراير/شباط، الجدل بشأن مستقبل السياسة النووية الإيرانية، خصوصاً مع تصاعد الدعوات الداخلية إلى مراجعة الموقف الرافض لامتلاك أسلحة نووية.
ولم تعد هذه النقاشات مقتصرة على دوائر الخبراء والمسؤولين، إذ تناولها، مؤخراً، مسؤولون وشخصيات عامة، من بينهم أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، والمتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي.
وفي هذا الصدد، قال تقوي نيا إن غالبية الإيرانيين باتوا يطالبون بإنتاج أسلحة نووية بعد الحرب الأخيرة، محذراً من أن تعرض بلاده لهجوم نووي أمريكي أو إسرائيلي سيدفعها، دون شك، إلى اختبار قنبلتها النووية الخاصة.
وأشار إلى أن إيران تمتلك القدرات العلمية والتقنية اللازمة لتطوير سلاح نووي، لكن الاعتبارات الفقهية الشيعية حالت حتى الآن دون اتخاذ هذه الخطوة. غير أنه حذر من احتمال تغير هذا الموقف إذا أصبح بقاء النظام الإيراني مهدداً.
وتبقى الكلمة الفصل في هذا الملف بيد المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، الذي قد يتبنى، وفق تقوي نيا، موقفاً مختلفاً عن والده، بعدما اعتبر أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تلتزما بأي خطوط حمراء في تعاملهما مع إيران.
تداعيات تتجاوز الحدود الإيرانية
وفي المقابل، تبرز تساؤلات بشأن طبيعة الأسلحة النووية التي قد تستخدمها واشنطن، إذ تضم الترسانة الأمريكية قنابل من طراز «B61»، تتراوح قوتها التفجيرية بين 0.3 و50 كيلوطن، إضافة إلى الطراز الأحدث «B61-13»، الذي تصل قوته إلى 360 كيلوطن.
وتعادل قوة هذا الطراز نحو 24 ضعف القنبلة التي ألقتها الولايات المتحدة على مدينة هيروشيما اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية. وتظل واشنطن الدولة الوحيدة التي استخدمت الأسلحة النووية في حرب فعلية حتى اليوم.
وحذرت إيرين دومباخر، الباحثة في شؤون الأمن النووي بمجلس العلاقات الخارجية، من صعوبة تقدير حجم التداعيات الكاملة لأي هجوم نووي، نظراً إلى عدم استخدام هذه الأسلحة في الحروب منذ العام 1945.
وأوضحت أن حجم الدمار سيتوقف على قوة القنبلة وطريقة تفجيرها والظروف الجوية واتجاه الرياح، فضلاً عن عمق الانفجار. كما أشارت إلى أن التفجير على سطح الأرض قد يؤدي إلى انتشار كميات أكبر من المواد المشعة مقارنة بالانفجار الجوي.
واستشهدت بدراسة للأكاديميات الوطنية الأمريكية صدرت العام 2005، قدرت أن عدد الضحايا في المناطق النائية قليلة السكان قد يتراوح بين مئات الأشخاص ومئات الآلاف، تبعاً لقوة السلاح والظروف الجوية.
ولفتت إلى أن إيران أجرت تدريبات سابقة للتعامل مع الحوادث الإشعاعية، شملت مناورات بالقرب من محطة بوشهر النووية العام 2019، فضلاً عن إجراءات اتخذتها السلطات بعد الضربات التي استهدفت منشآت تحتوي على مواد نووية خلال العام 2025.
كما نظمت السلطات في محافظة البرز، الثلاثاء، تدريباً بالتعاون مع الهلال الأحمر الإيراني وجامعة طهران، لتعزيز القدرة على رصد المخاطر الكيميائية، والبيولوجية، والنووية، والإشعاعية، والتعامل معها.
ومع ذلك، لن تتوقف تداعيات أي ضربة نووية أمريكية عند حدود إيران، بل قد تمتد إلى دول المنطقة والحلفاء الأمريكيين المجاورين، فضلاً عن انعكاساتها السياسية والإستراتيجية على واشنطن.
وفي هذا السياق، حذّرت دومباخر من أن استخدام سلاح نووي ضد إيران سيشكل انتهاكاً للمحظورات الدولية التي ساهمت الولايات المتحدة في ترسيخها، مؤكدة أن العالم قد يواجه تداعيات إشعاعية ومادية داخل إيران، مقابل عواقب سياسية خطيرة على الولايات المتحدة، إذا قررت كسر الحظر العالمي المفروض على استخدام الأسلحة النووية.





