ثقافة ومجتمع
تؤثر عادة استخدام الهاتف قبل النوم على إفراز هرمون الميلاتونين وجودة النوم، مما ينعكس على المزاج والتواصل العاطفي بين الزوجين.

تشير دراسات حديثة إلى أن استخدام الهاتف المحمول قبل النوم يؤثر سلبًا على جودة النوم من خلال تثبيط إفراز هرمون الميلاتونين، الأمر الذي يؤدي إلى تأخر الدخول في النوم وزيادة الشعور بالإرهاق في اليوم التالي، ويؤثر ذلك بدوره على المزاج والتواصل بين الزوجين.
يشرح الدكتور أحمد جبيلي، استشاري المخ والأعصاب وطب النوم في أحد مستشفيات برلين بألمانيا، أن الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات في المساء يعيق الساعة البيولوجية للجسم ويقلل من إنتاج هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم النوم، مما يسبب تأخر النوم الطبيعي ويزيد من اليقظة.
تتفق مراجعة علمية صادرة عن كلية الطب بجامعة هارفارد مع هذه النتائج، حيث تؤكد أن التعرض للضوء الأزرق في المساء يؤخر إفراز الميلاتونين ويؤثر على توقيت وجودة النوم، وهو ما يفسر صعوبة النوم بعد قضاء وقت طويل أمام الشاشات.
تتعدى آثار قلة النوم الشعور بالتعب لتشمل الجوانب النفسية والعاطفية، إذ يؤكد الدكتور جبيلي أن النوم يلعب دورًا مهمًا في تنظيم المشاعر والتعامل مع الضغوط اليومية، ويضيف أن السهر المستمر يؤدي إلى ضعف التركيز وزيادة العصبية والتوتر، مما ينعكس على جودة التواصل العاطفي بين الزوجين.
كما يمتد تأثير اضطرابات النوم إلى الصحة الجنسية، حيث يوضح الدكتور جبيلي أن النوم الجيد ضروري للحفاظ على التوازن الهرموني، خصوصًا هرمون التستوستيرون الذي يرتفع خلال النوم، بينما يؤدي الحرمان من النوم إلى انخفاض مستوياته.
دراسة أجريت في جامعة شيكاغو ونشرت في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية (JAMA) أظهرت أن تقليل النوم لمدة أسبوع أدى إلى انخفاض مستويات هرمون التستوستيرون لدى الرجال الأصحاء بنسبة تتراوح بين 10% و15%.
يشير الدكتور جبيلي إلى أن اضطراب النوم قد يسهم في بعض مشكلات الأداء الجنسي، لكنه ليس العامل الوحيد، إذ تتداخل عوامل صحية ونفسية متعددة في هذا المجال.
لا يقتصر تأثير الهاتف على الضوء فقط، بل يشمل أيضًا طبيعة المحتوى الذي يستهلكه المستخدم، حيث يوضح الدكتور لؤي المهر، أخصائي الطب النفسي في قطر، أن التعرض المتكرر لمقاطع الفيديو القصيرة مثل "الريلز" يساهم في تعويد الدماغ على مستويات عالية من التحفيز، مما يقلل القدرة على التركيز ويزيد من التشتت الذهني.
مراجعة علمية نشرتها مجلة فرونتيرز في علم النفس تؤكد وجود ارتباط بين الإفراط في مشاهدة الفيديوهات القصيرة وزيادة التشتت الذهني وصعوبة الحفاظ على الانتباه لفترات طويلة.
يضيف الدكتور المهر أن هذا التشتت يؤثر تدريجيًا على الحياة الزوجية، حيث قد يكون الزوجان جسديًا في نفس المكان لكن ذهنيًا مشغولين بالمحتوى الرقمي، مما يقلل من جودة القرب العاطفي والتواصل بينهما.
لا توجد أدلة علمية قوية تثبت أن مشاهدة "الريلز" تسبب اضطرابات مباشرة في الأداء الجنسي، لكن التشتت الذهني وضعف التركيز قد يؤثران على الحضور الذهني المطلوب للاستجابة الجنسية الطبيعية.
مع تزايد الوعي بتأثير الضوء الأزرق، يلجأ البعض إلى استخدام نظارات مزودة بفلتر للضوء الأزرق، ويقول الدكتور شادي طعمة، أخصائي أمراض العيون في قطر، إن هذه النظارات قد تقلل من التعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات، مما يخفف بعض التأثيرات المرتبطة باستخدام الأجهزة الإلكترونية ليلاً.
مع ذلك، يؤكد الدكتور طعمة أن تقليل استخدام الشاشات قبل النوم وتوفير إضاءة مناسبة في الغرفة أفضل من الاعتماد فقط على النظارات، إذ أن نتائج الأبحاث حول فعاليتها ما تزال متباينة.
ينصح الخبراء بإعادة تنظيم استخدام التكنولوجيا في الحياة اليومية، حيث يؤكد الدكتور جبيلي أهمية تقليل استخدام الهواتف قبل النوم بساعة على الأقل، والالتزام بمواعيد منتظمة للنوم والاستيقاظ، وتهيئة غرفة نوم هادئة ومظلمة.
كما يشدد الدكتور المهر على ضرورة تخصيص وقت يومي خالٍ من الهواتف للتواصل الحقيقي، مع التركيز على الإصغاء والتعبير عن التقدير والامتنان، وتجنب تراكم الخلافات، بالإضافة إلى قضاء أوقات مشتركة في أنشطة ممتعة بعيدًا عن ضغوط الحياة.
يؤكد أن العلاقة الزوجية تعتمد على الحضور والاهتمام والجهد المتبادل، وأن شعور كل طرف بأنه مسموع ومقدر يعد من أهم عوامل استمرارها واستقرارها.
في ظل المنافسة المستمرة للشاشات على انتباه الإنسان، قد يكون إبعاد الهاتف عن غرفة النوم لبعض الوقت فرصة لاستعادة مساحة للحوار والقرب العاطفي بين الزوجين، إلى جانب تحسين جودة النوم.
العالم
اخبار لبنان
لايف ستايل
اخبار لبنان