ثقافة ومجتمع
ثلاثة أسباب تُخفي قوتك الداخلية عنك
تستعرض المقالة ثلاثة عوامل تمنع الأفراد من التعرف على نقاط قوتهم الخفية: ارتباط القوة بالضعف، وانحراف معايرة القوة، وتجاهل الآخرين لقيمتها.

تُشكّل نقاط القوة الخفية جزءاً أساسياً من البنية الشخصية للإنسان، لكنها في كثير من الأحيان تبقى غير مرئيةٍ له ولمن حوله. وكشف هذه النقاط لا يهدف إلى تضخيم الذات، بل إلى تمكين الفرد من استخدامها بوعيٍ أكبر وإحداث تأثيرٍ أعمق في بيئته المهنية والاجتماعية والتنظيمية.
الارتباط الوثيق بين القوة والضعف
قد تكون أبرز نقاط قوتك مرتبطةً ارتباطاً عضوياً بأكبر ضعفاتك. ففي حالة ستيف جوبز، كانت روح التمرد والإبداع مترابطتين، وكذلك كانت الحركة الدائمة والفضول العلمي. ويُشار إلى هذه الجوانب السلبية باسم «الظل»، لأنها ترافق القوة أينما ذهبت. وقد يرى الشخص أو من حوله هذا الظل فقط، دون أن يدرك القوة التي تحملها. ويشبه ذلك شخصاً يرى ظله يومياً دون أن يرى انعكاسه في المرآة أبداً.
ويُبلَّغ بعض الأشخاص مراراً بأن لديهم «مشكلة في _____» ويُطلب منهم التغيير. وفي مثل هذه الحالات، يكون التعامل مع الظل أمراً ضرورياً للنجاح. لكن إزالته كلياً قد لا تكون مفيدة، لأن الظل ملحومٌ بقوةٍ ما، وإضعاف أحدهما قد يُضعف الآخر. وبالتالي، فإن القبول بأن الظل جزءٌ دائمٌ من وجودك، مع تعلّم كيفية ترويضه، هو النهج الأمثل.
ويُمكن لمُرشدٍ أو مدربٍ مختصٍ أن يساعد في توجيه القوة دون ترك الظل يتفشى. فجوبز، مثلاً، كان عليه أن يخفّف من حِدّته دون التنازل عن معاييره العالية. والمُرشد الجيد لا يسعى لتحويل المتمرد إلى متبعٍ للقواعد، ولا الرائي إلى بيروقراطي، بل يبني «سواتر وقائية» حول الضعف مع الحفاظ على الصفات التي تجعل صاحبها استثنائياً.
انحراف معايرة القوة
وثمة سببٌ آخر لعدم إدراك الفرد لقوته، وهو أن هذه القوة قد تكون «معطّلة» أو «غير مضبوطة». فالضعف الأكبر قد يكون في الواقع القوة الأعظم، لكنها تحتاج إلى تدريبٍ وتوجيهٍ دقيقين. فلو افترضنا أن شخصاً ما يعيش في حالة قلقٍ مفرط، ويتوقع أسوأ السيناريوهات باستمرار، رغم نجاحه المهني الواضح، فإن هذا القلق قد يُدمّر نوعية حياته.
وهنا قد يقترح المعالج النفسي إعادة تقييم الأفكار الكارثية وتطوير أنماط تفكيرٍ أكثر واقعيةً وأكثر تفاؤلاً. وهذا النهج صحيح ومفيد، وقد استخدمه الكاتب نفسه. لكن ماذا لو كانت هذه القوة هي ما يسمّيه عالم النفس جولي نورم بـ«التشاؤم الدفاعي»؟ وهو استراتيجية يعتمدها البعض عبر خفض التوقعات وتصوّر ما قد يسوء قبل حدثٍ مهم، فيحوّلون القلق إلى دافعٍ للتحضير الجيد ووضع خططٍ لتجنب المشكلات، دون أن يؤثر ذلك سلباً على أدائهم.
وبالتالي، فإن البدء من فرضية أن القوة موجودة لكنها «معطّلة» قد يغيّر مجرى التفكير كلياً. فبدلاً من طرح السؤال: «ما الخطأ فيّ؟»، يمكن أن يقول الشخص: «هذه الأفكار تساعدني في تحديد المشكلات المحتملة لأتمكن من الاستعداد لها بشكل أفضل». ويتطلب إعادة ضبط القوة الحكمة، أي اعتبارها «مفتاحاً قابلاً للضبط» يمكن رفعه أو خفضه حسب الحاجة، كأن يميّز الشخص بين المواقف التي يكون فيها القلق مفيداً وتلك التي لا يكون فيها كذلك.
تجاهل البيئة لقيمة القوة
وربما تمتلك قوةً لا يقدّرها من حولك، وليس المشكلة فيك، بل في عدم توافق بيئتك مع طبيعة هذه القوة. فلو كانت لديك قوة «الاستهواء» (Woo) — وهي القدرة على التواصل بسهولة مع الغرباء وكسب ودّهم — بينما يكون عملك إدارياً بحتاً، فقد يُنظر إليك على أنك «مشتتٌ ومُشتِتٌ»، رغم أنك تجد متعةً حقيقيةً في التحدث مع العملاء أو الزملاء.
وفي هذه الحالة، قد تكون أنت الأنسب لدورٍ يُقدّر هذه القوة، مثل المبيعات أو التسويق. ولذلك، فإن التعرف على نقاط القوة لا يقتصر على الاختبارات المعيارية مثل استبيان «في آي إيه» لصفات الشخصية أو تقييم «كليفتون سترينجثس»، بل يتطلب أيضاً البحث عن «شخصٍ يرى قوتك» — أي شخصٍ قادرٍ على تجاوز ضعفاتك وتحديد مواطن تميّزك، ويرى ليس فقط من أنت، بل من قد تصبحه لو أُدركت قوتك واستُثمرت بذكاء.
وهذا الشخص، الذي يمكن تسميته «المشجّع»، لا يلزم أن يكون من أقرب الناس إليك أو من عرفوك منذ زمنٍ بعيد. فالإلمام الطويل قد يجعل القوة تبدو عاديةً لك ولمن حولك. وقد يحتاج الأمر إلى مرشدٍ أو معالجٍ نفسيٍ أو صديقٍ جديد البصيرة ليكشف لك ما تأخذينه كأمرٍ مسلّمٍ. وليس في طلب هذا الدعم ما يُشير إلى الغرور، بل هو فعلٌ واعٍ من أجل النمو.
وإذا كنت قد استفدت يوماً من شخصٍ رأى قوتك وتعامل بلطفٍ مع ضعفاتك، فخُذ وقتاً لتشكره. فهؤلاء الأشخاص نادرون، ويستحقون الامتنان. ويمكنك أن تردّ الجميل بأن تصبح أنت «شخصاً يرى القوة» لدى الآخرين. كن لطيفاً مع من يحملون ضعفاتٍ واضحة، فقد يكونون «ألماساً خاماً». ربما ترى ظلّهم فقط، دون أن تدرك قوتهم الكامنة. وعندما تكتشف قوةً ما لدى شخصٍ ما، أخبره بها، وأظهر له كيف يمكن أن تزدهر هذه القوة بينما يُدير ظلّه بحكمة. فكثيرٌ من الناس يتلقون باستمرار ملاحظاتٍ عن ما يجب عليهم إصلاحه، وأحياناً يكون أعظم هديةٍ يمكن تقديمها لهم هي أن يُريهم أحدٌ ما ما لا يستطيعون رؤيته في أنفسهم بعد.
آخر الأخبار

جاميسون غرير.. مفاوض ترامب الحاسم الذي يتحدث الفرنسية

الدّفاع المدنيّ: السيطرة على الحريق في جرود البترون

أسينسيو، 23 عاماً، أمام فرصة أخيرة لتجنب جراحة في القصبة


