ثقافة ومجتمع
يُعد نقص التركيز وعدم القدرة على الانتباه من الأعراض الشائعة لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، ويعزى ذلك لاختلافات هيكلية ووظيفية في الدماغ.

يُعتبر نقص التركيز وصعوبة الانتباه من الأعراض الشائعة لدى المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، حيث يختلف دماغ المصاب عن الدماغ الطبيعي في حاجته للدوبامين، مما يجعل التركيز حالة إما كاملة أو معدومة.
تتناول سلسلة "تسليط الضوء على أعراض اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه" كل أسبوع عرضاً رئيسياً أو مهماً يُغفل عنه في هذا الاضطراب، ويكتبها خبراء يقدمون نصائح مستندة إلى الخبرة والأبحاث العلمية لإدارة هذه الأعراض.
يُعد نقص التركيز من الأعراض الأساسية لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، إذ يعاني الأفراد من صعوبة في التركيز، خصوصاً أثناء أداء المهام غير المثيرة للاهتمام. ويُعزى ذلك إلى اختلافات هيكلية في الدماغ تؤثر على المناطق المسؤولة عن الانتباه والتركيز، مما يجعل فهم هذه العوامل العصبية أمراً ضرورياً لإدارة الأعراض بشكل فعال.
تشير الأبحاث المتزايدة إلى وجود اختلافات هيكلية في مناطق معينة من دماغ المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، مثل القشرة الجبهية، والعقد القاعدية، وأجزاء من المخيخ، حيث تكون هذه المناطق أصغر حجماً مقارنة بالأشخاص غير المصابين، وتلعب دوراً أساسياً في الانتباه والتركيز.
كما قد تسهم مستويات الدوبامين المنخفضة واضطرابات نقل الدوبامين في الدماغ في ظهور أعراض الاضطراب، رغم أن الأدلة العلمية لا تزال غير حاسمة. ويُعد الدوبامين جزءاً من نظام المكافأة في الدماغ، وهو ناقل عصبي يؤثر على الدافع والتحفيز والتركيز.
وفي حال كان الدافع ضعيفاً بالفعل، وكانت المناطق الدماغية المسؤولة عن دفع الشخص لأداء المهام غير المحببة أصغر من المعتاد، يصبح أداء المهام المملة شبه مستحيل بالنسبة للمصاب باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.
تُعد المهام التي تتطلب وقتاً طويلاً أو مكافآت مؤجلة أو تكراراً متوقعاً من أصعب المهام على المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، مثل قراءة الكتب، أو أداء الواجبات المنزلية الطويلة، أو تعلم مهارة جديدة، أو أداء الأعمال المنزلية المتكررة.
يعاني بعض المصابين أيضاً من اضطراب في الوظائف التنفيذية، حيث يفتقر الشخص إلى السيطرة على تركيزه. دماغ المصاب يكون نشطاً دوماً ويميل إلى التفكير المستمر، والتحدي يكمن في تحفيزه للتركيز على المهام التي تتطلب اهتماماً فورياً بدلاً من المهام الأكثر إثارة للاهتمام.
ويظهر نقص السيطرة على التركيز بثلاثة أشكال رئيسية: محاولة البدء في مهمة دون القدرة على الانخراط الكامل لإكمالها، البدء في مهمة ثم مقاومة الذهن المتشتت والأفكار المتعددة، والتركيز المفرط على مهمة غير مناسبة أحياناً دون إدراك ذلك لساعات.
يؤثر نقص التركيز على الحياة اليومية بطرق متعددة، منها تجاهل التفاصيل أو التعليمات، عدم إكمال المشاريع، ارتكاب الأخطاء الساذجة، مواجهة صعوبة في التفكير الواضح، تحديات في الاستماع أثناء المحادثات، والحاجة إلى إعادة قراءة الجمل أو الفقرات بسبب صعوبة الاستيعاب.
تسبب نقص التركيز في مشاكل وصراعات يومية، حيث كان الكاتب يعاني في صغره من مشكلات مع المعلمين بسبب عدم تسليم الواجبات المنزلية رغم تحقيق درجات عالية في الاختبارات والبحوث. وكان السبب في ذلك أن الواجبات كانت مملة ومتكررة، مثل حل نفس نوع المسائل الرياضية أو تحديد أجزاء الكلام في جمل متكررة، بينما كانت الاختبارات والبحوث أكثر تنوعاً وإثارة للاهتمام، مع وجود ضغط الوقت الذي ساعد على التركيز.
من وجهة نظر المعلمين، كان الأمر محيراً، إذ كان ذكياً بما يكفي للنجاح في الاختبارات والبحوث، لكنه يرفض أداء الواجبات المنزلية بلا تفسير واضح. أما الحقيقة، فهي أن الكاتب كان يحاول جاهداً إجبار نفسه على أداء الواجبات لكنه لم يكن قادراً على ذلك في معظم الأحيان.
قلة من الأشخاص يعملون في ظروف مثالية للتركيز، والأمر أصعب بالنسبة للمصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، لكن هناك بعض الاستراتيجيات التي تساعد:
الإلهاءات الخارجية ليست المصدر الوحيد للتشتت لدى المصابين، لكنها توفر مخرجاً للعقل الجائع للهروب من مهمة مملة أو صعبة. لذا، إزالة هذه المحفزات تترك للدماغ خيار التركيز على المهمة. من الطرق لذلك: وضع الهاتف على الوضع الصامت ووجهه للأسفل مع استثناء المكالمات المهمة والطوارئ، إزالة الأشياء غير المتعلقة بالعمل من مجال الرؤية، إغلاق المتصفح وتخزين كل ما قد يشغل الذهن، واستخدام سماعات عازلة للصوت لحجب الأصوات المحيطة.
كما يمكن الاستماع إلى الموسيقى، حيث أظهرت تحليلات حديثة أن الموسيقى تحسن القدرة على الاستمرار في التركيز لدى المصابين. يُفضل اختيار الموسيقى الآلية بدون كلمات وتشغيلها بصوت منخفض في الخلفية.
يمكن تهدئة الأفكار الجانبية أو المشتتة بكتابتها بدلاً من القلق من نسيانها، مما يساعد على تذكر المهام والمواعيد والتفاصيل المهمة. كما يمكن استخدام هذه الطريقة مع الأفكار المشتتة مثل الفضول حول نوع شجرة معينة، عبر التقاط صورة لها وتدوين ملاحظة لتعلم أنواع الأشجار لاحقاً، مما قد يسهل على الدماغ التخلي عن هذه الأفكار مؤقتاً.
عندما يعجز الشخص عن التركيز، يُنصح بأخذ استراحة قصيرة للقيام بنشاط يهدئ الذهن، مثل العمل على مشروع إبداعي أو أداء مهمة منزلية تشغل الذهن. وإذا كان هناك توتر جسدي، يمكن المشي أو الرقص أو ممارسة تمارين القفز، حيث تساعد الرياضة على إفراز الدوبامين الذي يحتاجه دماغ المصاب، مما يقوي السيطرة على الاندفاع ويحسن الوظائف التنفيذية.
إذا كان البدء في المهمة صعباً، يُنصح بتقسيمها إلى مهام قصيرة وأقل تخويفاً، مما يعزز الشعور بالسيطرة على الوقت. يمكن رسم خطوات ما يجب إنجازه وترتيبها حسب الأولوية أو سهولة التنفيذ، ثم البدء في إنجازها خطوة بخطوة بدلاً من التفكير في المشروع ككل.
يتأرجح الدماغ بين التركيز المفرط والضباب الذهني. بدلاً من إجبار الدماغ الضبابي على التركيز، يُنصح بملاحظة هذه التغيرات، ومعرفة أوقات اليوم التي يكون فيها التركيز أفضل أو أسوأ، والعوامل التي تؤدي إلى كل حالة. يمكن تقسيم قائمة المهام إلى مهام تتطلب تركيزاً مستمراً وأخرى يمكن أداؤها مع تشتت الذهن، والتبديل بينهما حسب حالة الدماغ.
بالطبع، قد لا تتوفر دائماً كمية كافية من كل نوع من المهام لتتناسب مع الإيقاع اليومي، لذا يُنصح باتباع الإيقاع قدر الإمكان واستخدام تقنيات الإدارة الأخرى عند الحاجة لمواجهته.
يُعد نقص التركيز شائعاً لدى المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، ما يصعب الحياة اليومية في العمل والمنزل. وتشير الأبحاث الحديثة إلى وجود اختلافات في بنية الدماغ ومستويات الدوبامين كعوامل محتملة. وفي حال كان نقص التركيز يؤثر سلباً على الحياة اليومية، قد يكون من المفيد طلب المساعدة المهنية.



