اخبار لبنان
عندما انتشر خبر اغتيال جوزف بجّاني أمام منزله في الكحّالة صباح الإثنين 21 كانون الأول الحالي قطع أهالي البلدة الطريق العام الذي يربط بيروت بالبقاع أمام الكنيسة. هناك، عند كوع الكحّالة وقف أحد أبنائها ليستعيد ماضي أيّام خلت قبل خمسين عاماً وليذكِّر بأحداث حصلت هناك في ذلك المكان في 26 آذار 1970. ذلك التاريخ يعتبره البعض أنّه كان أيضاً تاريخاً لاندلاع الحرب والمواجهة قبل حادث البوسطة في عين الرمانة في 13 نيسان 1975.
حادث إغتيال جوزف بجّاني صادم في حدّ ذاته. ولكنّ الصدمة كانت مضاعفة لأنّه كان مصوّراً. ثمّة عمليات قتل أخرى حصلت منذ ثلاثة أعوام تمّ ربطها بمقتل بجّاني ولكنّها لم تكن مصوّرة. ُصوِّرت جثث القتلى ولكن لم يتمّ تصوير القَتَلة. من أنطوان داغر الموظّف في أحد المصارف إلى العقيد جوزف سكاف والعقيد منير أبو رجيلي وغيرهم... في قضية بجّاني كان المشهد أكبر من أن يتمّ احتماله. ثمّة كلام كثير عن القتل العمد وعن القتل بدم بارد ولكن دائماً لم تكن الصورة حاضرة لتحكي عن نفسها وعن اللحظة وعن القَتَلة المحترفين، الذين يقفون أمام ضحيّتهم ولا يرفّ لهم جفن وكأنّهم يتلذّذون بما فعلوا وكأن لا عقل ولا دم ولا ضمير لديهم. هذا ما حصل في عملية قتل جوزف بجّاني. رأينا صورة القاتِلَين ولم نرَ صورة القتيل الشهيد.
الدم البارد والدم الحار
كانا يعرفان ما يفعلان. توجّها مباشرة إلى الهدف ونفذا العملية كأنّهما رجلين آليين من حديد. لم يكونا لوحدهما. هكذا قيل. قيل أيضاً أنهما كانا من ضمن مجموعة تولّت المراقبة وحماية العملية. العملية كما تمّ تنفيذها تكشف أنه تمّ التخطيط لها مسبقاً. المسألة اللافتة هي وجود الكاميرا التي صوّرت مسار العملية. هل غفل المنفذون عن وجودها؟ هذا الأمر يحتاج إلى التأكّد من تاريخ وضعها ولماذا تمّ وضعها وهل كان جوزف بجّاني متخوّفاً من تعرّضه للقتل؟ وما هي المسائل التي كان يعمل عليها وتستوجب اتخاذه إجراءات احترازية وتستدعي قتله، وهل لها علاقة بتفجير مرفأ بيروت مثلًا؟ الجريمة في حد ذاتها ليست عادية أو شخصية. القاتلان متدرّبان وربّما ليست العملية الأولى التي ينفذانها. على الأرجح أنّهما من فرقة متدربة على القتل والإعدام. وهما لا يعملان بصورة مستقلّة. ويبقى على التحقيق أن يكشف الخلفيات والأسباب ويحدّد المسؤولين، وربما كان من الممكن الإستفادة من الصور التي وثّقت عملية القتل من أكثر من كاميرا في المنطقة واستدعت فورة الدم الحار لأهالي الكحّالة.
عملية القتل في حدّ ذاتها زادت منسوب القلق لأنّها أتت متزامنة مع جوّ رعب يتمّ بثّه في البلاد ويتعلّق بعودة مسلسل الإغتيالات. ولكن عندما يتحدّث البعض عن هذه المسألة لا يكون المقصود اغتيال أشخاص عاديين كجوزف بجّاني بل اغتيالات سياسية. عملية اغتيال بجّاني تشبه في هذا الإطار، ضمن السياق الذي يتمّ وضعها فيه، عملية اغتيال الرائد وسام عيد إذا صحّت مسألة الربط بينها وبين جريمة تفجير المرفأ. فهل كان لجوزف علاقة بهذا الموضوع وهل هناك معلومات لم يتمّ الكشف عنها بينما توفّرت للذين اتّخذوا القرار بتصفيته؟
نجم الهاشم



