العالم
منشار كهربائي وسلاسل مغلقة.. كواليس الصراع على المحكمة الدستورية في بولندا

تحوّلت المحكمة الدستورية في بولندا إلى مسرح مواجهة مفتوحة بين الحكومة الليبرالية برئاسة دونالد توسك والرئيس القومي كارول ناوروكي، بعدما تدخلت الشرطة لحماية مبنى المحكمة في وارسو، بينما احتشد أنصار حزب "القانون والعدالة" القومي للدفاع عن قضاة محسوبين على الحزب.
وفي مشهد غير مسبوق، ظهر رئيس المحكمة الموقوف، بوغدان شفنتشكوفسكي، محاطاً بنواب من الحزب وبصانع أقفال، وهو يحاول قطع السلاسل التي أُغلقت بها بوابة المؤسسة باستخدام منشار كهربائي.
وتتهم المعارضة القومية حكومة توسك بتنفيذ "محاولة انقلاب" للاستيلاء على أعلى هيئة قضائية في البلاد، بينما يقول الائتلاف الحاكم إنه ينفذ التزاماً انتخابياً بإعادة سيادة القانون، بعد سنوات من تدخل حزب "القانون والعدالة" في القضاء.
وبين الروايتين، تبدو بولندا أمام صراع دستوري عميق لا يقتصر على تعيين القضاة، بل يمتد إلى سؤال أكبر: من يملك حق تحديد شرعية المحكمة عندما تكون مؤسسات الدولة نفسها موضع نزاع؟
ليلة المحكمة.. الشرطة والقضاة والشارع
وبدأ التصعيد مساء الجمعة 30 أكتوبر/تشرين الأول، عندما انتشرت قوات مكافحة الشغب حول المحكمة الدستورية لمنع اقتحام المبنى وحماية مداخله.
وفي المقابل، تجمَّع آلاف المتظاهرين حاملين الأعلام البولندية ولافتات تندد بحكومة توسك.
وذكرت مجلة "لكسبرس" أن 3 متظاهرين أُوقفوا بعدما حاولوا تجاوز الطوق الأمني، فيما عاد رئيس المحكمة الموقوف، شفنتشكوفسكي، إلى الواجهة، مستعيناً بنواب من حزب "القانون والعدالة" وبصانع أقفال لقطع السلاسل التي أُغلقت بها البوابة.
ولم يبقَ الرئيس كارول ناوروكي نفسه بعيداً عن المواجهة، فبعدما كان في طريقه إلى السنغال، عاد بصورة عاجلة إلى وارسو وتوجه إلى مبنى المحكمة، متجاوزاً الطوق الأمني، ودخل في نقاشات حادة مع القضاة الذين انتخبتهم الأغلبية البرلمانية.
وبثت القنوات مشاهد المواجهة مباشرة، لتتحول الأزمة القانونية إلى حدث جماهيري يعيد اصطفاف اليمين القومي، ويمنح المعارضة فرصة لتقديم الحكومة بوصفها سلطة تتجاوز الدستور.
بداية الأزمة 2015
وتعود جذور النزاع إلى نهاية عام 2015، عندما عينت الأغلبية الوسطية السابقة خمسة قضاة، كان من المفترض أن يتسلم اثنان منهم مهامهما خلال الولاية البرلمانية التالية.
اعتبر خصومها الخطوة مخالفة للقانون، ثم ردّ حزب "القانون والعدالة"، بعد وصوله إلى السلطة، بتعيين قضاة آخرين. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت تركيبة المحكمة وشرعية قراراتها موضع نزاع سياسي دائم.
ودخلت المفوضية الأوروبية على خط الأزمة، بعدما شككت في مدى توافق المحكمة العليا مع المعايير الأوروبية لاستقلال القضاء.
وفي حكم صدر عام 2025، رأت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي أن المحكمة الدستورية البولندية، بتركيبتها الحالية، لا تستوفي متطلبات المحكمة المستقلة والمحايدة.
وعندما عاد ائتلاف وسطي بقيادة توسك إلى الحكم عام 2023، تعهّد بإعادة بناء سيادة القانون وتسوية إرث المرحلة السابقة.
لكن انتخاب المؤرخ القومي المدعوم من حزب "القانون والعدالة" رئيساً في يونيو/حزيران 2025 خلق نظام تعايش عدائياً؛ إذ يملك الرئيس أدوات تعطيل مهمة، بينما تحاول الحكومة تنفيذ إصلاحات تصطدم برفض القصر الرئاسي.
قضاة جدد وشرعية متنازع عليها
وفي مارس/آذار 2026، انتخَبت الأغلبية الوسطية في مجلس النواب قضاة جدداً، لكن الرئيس لم يؤدِّ اليمين إلا لبعضهم.
وفي أكتوبر/تشرين الأول، أوصت لجنة البندقية التابعة لمجلس أوروبا بالسماح للقضاة بتولي مهامهم حتى من دون أداء اليمين أمام الرئيس، معتبرة أن تعيينهم يدخل ضمن صلاحيات مجلس النواب.
ومنح هذا الموقف حكومة توسك سنداً أوروبياً، لكنه لم يحسم النزاع داخل بولندا، فقد قال مارسين برزيداتش، مستشار الرئيس وكاتب الدولة، لقناة "يورونيوز" إنه لا يوجد "أي أساس قانوني" لسلوك الحكومة، مؤكداً أن قاضيين بارزين في البلاد يعارضان الإجراءات نفسها.
في المقابل، قال النائب الأوروبي البولندي ميخاو فافريكيفيتش، عضو الائتلاف المدني المؤيد لتوسك، إن الحكومة والبرلمان والقضاة المنتخبين يتصرفون وفق أحكام المحاكم الأوروبية ومحكمة حقوق الإنسان، وإن الهدف هو تصحيح أزمة بدأت مع وصول حزب "القانون والعدالة" إلى الحكم عام 2015.
أما رئيس الوزراء توسك، فحاول في خطاب متلفز تهدئة البلاد، مؤكداً أن "إعادة سيادة القانون واجبنا"، وأن العملية ستكون صعبة ومؤلمة، لكنها لا تملك طريقاً بديلاً. غير أن خصومه يعتبرون هذا الخطاب غطاءً سياسياً لإقصاء قضاة لا ينسجمون مع الحكومة الجديدة.
بروكسل تراقب.. ولا تملك حلاً سريعاً
تراقب المفوضية الأوروبية التطورات عن قرب، فيما دعت مؤسسات أوروبية الرئيس ناوروكي إلى التصديق على تعيين القضاة الجدد.
لكن الأزمة تكشف محدودية قدرة بروكسل؛ فهي تستطيع تأكيد المعايير القانونية وممارسة الضغط السياسي، لكنها لا تستطيع فرض تسوية داخلية ما لم تتوافر إرادة بولندية مشتركة.
وتقترح شخصيات قانونية ومنظمات مدنية ما تسميه "إعادة تشغيل دستورية"، تضمن استقلال المحكمة وتضع قواعد واضحة للتعيينات. غير أن تحقيق ذلك يتطلب توافقاً بين طرفين لا يتفقان على تعريف الشرعية نفسها.
فالحكومة ترى أن إصلاح المحكمة شرط للعودة إلى دولة القانون، بينما يرى اليمين أن الإصلاح يتحوّل إلى وسيلة لإعادة تشكيل المؤسسة وفق موازين الأغلبية الحالية.
أزمة دستورية في موسم انتخابي
ولا يمكن فصل المواجهة عن الانتخابات التشريعية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني 2027.
وبحسب صحيفة "لوموند"، تقول أستاذة العلوم السياسية في جامعة وارسو، إيفا مارسينياك، إن بولندا دخلت بالفعل مرحلة الحملة الانتخابية، وإن الأحزاب تعمل على تعبئة قواعدها قبل موعد الاقتراع بعام.
ويخوض المشهد السياسي معسكران رئيسيان: ائتلاف توسك الوسطي والليبرالي المؤيد لأوروبا، في مواجهة يمين قومي محافظ يقوده حزب "القانون والعدالة" وحلفاؤه من اليمين المتطرف.
وتشمل الخلافات قضايا الإجهاض، ودور الكنيسة، والعلاقة مع ألمانيا وبروكسل، ودعم أوكرانيا، فضلاً عن مستقبل النظام القضائي.
وتزداد هشاشة اليمين نفسه بعدما انشق نحو ثلاثين نائباً عن حزب "القانون والعدالة" في يوليو/تموز، بالتزامن مع صعود تيارات يمينية متطرفة تمنحها استطلاعات الرأي قرابة 20% من نوايا التصويت. لذلك قد تخدم أزمة المحكمة هدفين متناقضين: توحيد اليمين في مواجهة توسك، أو تعميق الانقسام داخله قبل الانتخابات.
آخر الأخبار

استقالة حكومة دي ويفر في بلجيكا بسبب خلافات حول الموازنة العامة

الخارجية السورية تعين مزنا الأطرش مستشارة لشؤون السلام

البحرية الإيرانية: احتراق ناقلة نفط بعد اصطدامها بلغم في مضيق هرمز


