Daily Beirut

ثقافة ومجتمع

التجربة الجديدة تُحدث التغيير أكثر من الفهم النظري

يوضح الكاتب جارون فيسيلي أن الفهم الذاتي العميق لا يكفي عادةً لإحداث تغيير سلوكي، وأن الأنماط الداخلية الراسخة تتكوّن عبر التجربة لا عبر التفسير، ولذلك تتطلب تجارب جديدة لتعديلها.

··قراءة 3 دقائق
التجربة الجديدة تُحدث التغيير أكثر من الفهم النظري
مشاركة

كتب جارون فيسيلي، الحاصل على درجة الماجستير في الخدمة الاجتماعية (MSW)، مقالًا نُشر في ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦، بعنوان «عندما لا يكفي فهم الذات»، يتناول فيه الفجوة بين المعرفة النظرية والتحول الفعلي في السلوك الشخصي.

ويشير فيسيلي إلى أن العديد من الأشخاص الذين يعمل معهم في العلاج النفسي يتمتعون بذكاءٍ استثنائي: فقد حققوا تقدّمًا سريعًا في مسيراتهم المهنية، واخترعوا طرقًا جديدة لحل المشكلات القديمة. وهم معتادون على تحليل الأمور بمنطق دقيق، ويستطيعون تحديد نمط الارتباط الخاص بهم، وتتبع الأنماط الطفولية إلى مرحلة البلوغ، بل ويتعرّفون على اللحظات التي يتحدث فيها صوت أحد الوالدين بدلًا عن أصواتهم الخاصة. ومع ذلك، فإن هذا الفهم الواعي لا يترجم دائمًا إلى تغيير فعلي في السلوك، ما يولّد إحباطًا لدى هؤلاء الأفراد.

ويوضّح الكاتب أن البشر بطبيعتهم كائنات تبحث عن المعنى: سواء عبر رواية الأساطير لتفسير الظواهر الطبيعية أو عبر حل الألغاز اليومية مثل لعبة «ووردل». لكنه يشدّد على أن للفهم حدودًا، خصوصًا في العمل الداخلي المتعلق بالذات. ويضرب مثالًا شخصيًا على ذلك، فيقول إنه يدرك تمامًا ضرورة الاسترخاء، وقد قرأ الأبحاث ذات الصلة، ومرّ بجلسات علاجية كعميل، وعانى من أمراض مرتبطة بالتوتر، ومع ذلك، عند توفر فترة بعد ظهر حرة، لا يختار النوم أو قراءة كتابٍ كان يخطط لإكماله، بل يبدأ بالقلق حول سبب وجود هذه الفترة الحرة، ويضع قوائم لتحديد «أفضل استخدام» لها، ويلوم نفسه لعدم امتلاكه خطة مسبقة تضمن استثمارها الأمثل.

الفرق بين المعرفة والتجربة المباشرة

ويؤكد فيسيلي أن المعرفة ليست مكافئة للتجربة. ويروي موقفًا تأمليًا: حين يشاهد المرء مسلسله المفضّل، وقد تظهر مشهدٌ مفاجئٌ يُثير فيه شعورًا عميقًا دون أن يفهم سببه — كإحساس بالدفء في البطن، أو انقباض في الصدر والحنجرة، أو امتلاء العينين بالدموع. وهذا النوع من التأثر لا يتطلّب فهمًا مسبقًا، بل هو تجربة جسدية وعاطفية نقية.

ويذكُر أن هذه الظاهرة ليست حديثة العهد، إذ سبق أن تحدّث أرسطو عن «التطهير العاطفي» (كاثارسيس)، أي كيف أن مشاهدة المسرحيات المأساوية قد تثير مشاعر قوية وتترك الإنسان متغيرًا بعد انتهائها. ولا يدّعي الكاتب أن الفن يحل محل العلاج، لكنه يستخلص حكمةً جوهرية: فالإنسان قادر على التحوّل عبر التأثر قبل أن يفهم السبب، وأن كثيرين يقضون وقتهم «في داخل الجمجمة» فقط، بينما قد يكون التحرر في السماح بالشعور دون الحاجة إلى تفسيره فورًا.

كيف تشكّلت البرامج الداخلية؟

ويصف فيسيلي الأنماط السلوكية الداخلية بأنها تشبه برامج حاسوبية قديمة تعمل منذ زمن بعيد، لكنه يرفض فكرة أن هذه البرامج وُضعت واعيًا. فعلى سبيل المثال، لم يفكّر «جارون البالغ من العمر ٨ سنوات» في أن يبني «نمطًا معرفيًّا» يبقيه في دائرة الفهم لتفادي الشعور بما يعتبره «مزعجًا». بل إن هذه الأنماط نشأت من البيانات المتاحة له آنذاك: فالنجاح في المدرسة كان يجلب المديح، وتوقّع رغبات الآخرين كان يجلب المودة، وحل المشكلات كان يجنّبه الشعور بالعجز، وفهم سبب عدم حصوله على دور في المسرحية المدرسية كان يخفف الألم. ومن هذه التجارب المتكررة، نسج نظامًا داخليًّا يهدف إلى الحفاظ على المديح، والمحبة، والسيطرة، وتجنب الألم.

وهذا النظام لم يُبنى عبر البصيرة، بل عبر التجربة المباشرة. وبالتالي، فإن فيسيلي يرى أن التعديل لا يأتي عبر فهم أعمق للبرنامج القديم، بل عبر إدخال «بيانات جديدة» — أي تجارب حسية ووجدانية مختلفة. وفي الختام، يعبّر عن نيّته في تجربة بسيطة: أن يجلس مع الكتاب المهمّل، وأن يسمح لنفسه بالشعور بالرغبة في وضع قائمة «لكيفية استثمار الوقت» دون مقاومتها أو محاولة تفسيرها، بل فقط أن يعيشها، ليكتشف جسده أن هذا الشعور، رغم إزعاجه، لا يهدّد وجوده أو يستحقّ عقوبة ذاتية.

ويقرّ فيسيلي بصراحة بأن حتى أثناء كتابة هذا المقال، يشعر بأنه يحاول ترسيخ الفكرة في نظام منطقي منظم — وهو ما يدل على عمق الجذور التي ترسّخت فيها تلك البرامج الداخلية. لكنه يخلص إلى أن التحديث لا يأتي من معرفة البرنامج القديم بشكل أفضل، بل من الحصول أخيرًا على بيانات تجريبية جديدة.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة