ثقافة ومجتمع
الوالدان يُعلّمان الأطفال التمييز بين الخوف والكراهية
يوضّح خبراء تربويون أن مشاعر الخوف والغضب والوجع حقيقية، لكنها لا تبرّر الكراهية أو تجريد الآخرين من إنسانيتهم، ويشدّدون على ضرورة تربية الأطفال على قراءة المشاعر كمعلوماتٍ لا كأوامر.

في وقتٍ تتصاعد فيه خطابات الاستبعاد والتمييز في الفضاء العام، يبرز دور الأسرة كمختبر أخلاقي أولي لتنمية الذكاء العاطفي لدى الأطفال. ويؤكد خبراء تربويون أن المهمة ليست منع المشاعر السلبية، بل تدريب النشء على التعامل معها دون تحويلها إلى أدوات لإذلال الآخرين أو تبني روايات جماعية مبنية على الخوف أو الغضب أو الإهانة.
ما وراء الرسائل البسيطة
قبل أشهر، نشرت سلسلة «شارع سمسم» رسالةً بسيطةً احتفالاً بالشهر الأمريكي اليهودي للتراث. كانت الروح العامة للرسالة واضحة: الاحتفال، والاندماج، والانتماء. لكن قسم التعليقات انفجر فوراً بعبارات معادية للسامية، ما دفع القائمين على الصفحة إلى إغلاق التعليقات تماماً. وهكذا تحول منشورٌ صُمم لمساعدة الأطفال على أن يصبحوا «أكثر ذكاءً، وأكثر قوةً، وأكثر لطفاً» إلى هدفٍ للسخرية والاحتقار.
وهذا ليس مجرد حدث على وسائل التواصل الاجتماعي، بل هو حدث تنموي بالغ الدلالة. فالطفل يراقب باستمرار كيف يستجيب البالغون عندما يرتفع الخوف، ويتصلّب الغضب، وتتصاعد الخلافات، وتُحمَّل الجماعات مسؤولية ما لا تملكه، وتُبرَّر القسوة على أنها مزحة أو سياسة أو «طريقة الحديث المعتادة عبر الإنترنت».
المشاعر معلوماتٌ لا أوامر
وتبدأ معاداة السامية، شأنها شأن أشكال الكراهية الجماعية الأخرى، غالباً بروايةٍ تُبنى على الخوف أو الغضب أو الشعور بالظلم أو الإهانة أو الارتباك أو الألم. وهذه المشاعر قد تكون حقيقيةً، لكنها تصبح خطرةً حين تتحول إلى استنتاجات كاذبة: «أشعر بالخوف، إذن أنت تهديدٌ»، أو «أشعر بالعجز، إذن جماعتك هي المسؤولة»، أو «أشعر بالغضب، إذن القسوة مبرَّرة».
ولذلك فإن أول درسٍ يمكن توصيله للأطفال — وهو أيضاً أحد أهم دروس الذكاء العاطفي — هو أن المشاعر معلوماتٌ، وليست أوامر. فالخوف يستحق الانتباه، لكنه لا يثبت أن جماعةً أخرى خطرة. والغضب قد ينبّهنا إلى وجود ظلم، لكنه لا يمنحنا إذناً لتجرّيد الآخرين من إنسانيتهم. والألم قد يفسّر رغبة شخصٍ في الانتقام، لكنه لا يبرّر تحويل جماعةٍ كاملةٍ إلى هدفٍ.
الكراهية كإغراءٍ زائف
وتكتسب الكراهية جاذبيةً خاصةً لدى الشباب لأنها تقدّم نوعاً كاذباً من القوة: اليقين بدل الارتباك، والانتماء بدل الوحدة، والتفوّق بدل الخجل. ولذلك فإن قول «لا تكره» فقط لا يكفي. بل يجب مساعدة الطفل على التعامل مع المشاعر التي تجعل الكراهية معديةً: الخوف، والغضب، والخجل، ورغبة الانتماء، والرغبة في القبول من قبل الجماعة.
ويمكن تدريب الطفل على طرح أسئلة مثل: «ما الشعور الذي أعيشه الآن؟»، و«ما الرواية التي أرويها لنفسي؟»، و«ماذا أعرف حقاً، وما الذي أفترضه فقط؟»، و«من قد يتأذى إن شاركتُ هذا المحتوى؟»، و«ما الذي سيفعله أفضل نسخةٍ مني في هذه اللحظة؟».
الخلاف لا يعني التجريد من الإنسانية
وتزدهر معاداة السامية — شأنها شأن أشكال التحيّز والآخرة الأخرى — حين يتوقف الناس عن رؤية جماعةٍ ما كجيرانٍ أو زملاء في الصف أو معلّمين أو أطباء أو فنانين أو أطفال أو أجداد أو أصدقاء، ويبدأون بتصنيفهم كفئةٍ مجردة أو رمزٍ أو شكٍّ أو مؤامرةٍ أو تهديدٍ. وهي تزدهر أيضاً حين ينهار الفضول، وحين تنتقل الصور النمطية القديمة بسرعة تعليقٍ واحدٍ على الإنترنت.
وهنا يلعب الوالدان دوراً محورياً في تمكين الطفل من التمييز الجوهري بين الخلاف والكراهية. لكن البنية التصريحية التي تسمح بالكراهية تُبنى حين يُسخر من الآخرين ويُكافأ الشخص على ذلك، أو حين تُهمش القسوة على أنها «مجرد نكتة»، أو حين تُبرَّر كراهية الجماعات لأن «الجميع غاضبون». ويلاحظ الشباب كل هذه التفاصيل بدقة.
وعندما تمارس هذه القسوة من قِبل قادة علنيين أو مؤثرين رقميين أو مشاهير أو حتى بالغين حول مائدة العائلة، يصبح على الوالدين أن يكونا أكثر وعياً وقصديةً في النموذج الذي يقدمانه في المنزل. ويمكن للوالدين أن يقولا بصراحة وهدوء: «في عائلتنا، الغضب مسموح، أما تجريد الآخرين من إنسانيتهم فهو غير مسموح»، و«قد يكون ذلك الشخص قوياً، لكن ذلك لا يجعل سلوكه صحيحاً»، و«يمكننا الاختلاف بشدة دون إهانة».
التعاطف كدرعٍ ضد التكرار
ويحتل التعاطف مركزاً محورياً في هذا السياق، لكنه كثيراً ما يُساء فهمه. فالتعاطف لا يعني الموافقة على الجميع أو تبرير الأذى أو تجنّب المساءلة. بل يعني تذكّر أن للشخص الآخر حياة داخليةٍ حيّةٍ وهشّةٍ مثل حياتنا تماماً.
ويتطور التعاطف عبر مهارات الذكاء العاطفي التي تساعد الطفل على التوقّف، وتحديد ما يشعر به، وطرح سؤالٍ عمّا قد يشعر به أو يحتاجه أو يحمله شخصٌ آخر. وهذا يساعده على مقاومة امتصاص الصورة النمطية أو تكرار النكتة القاسية، والاعتراف بإنسانية زميلٍ يهودي أو مسلم، وجارٍ مسيحي أو هندوسي، ومعلّمٍ أسود أو هندي، أو صديقٍ ذي إعاقة مختلفة.
ويحتاج الطفل إلى تعلّم أن إجابة الكراهية الموجّهة إليه ليست أن يصبح كارهاً بالمقابل، بل أن يحمي نفسه، ويطلب المساعدة، ويضع الحدود، ويقول الحقيقة، ويرفض أن يصبح مرآةً للأذى.
التربية على «أفضل نسخة من الذات»
وأخيراً، يمكن مساعدة الشباب على تخيّل «أفضل نسخةٍ من الذات» والممارسة عليها. فهي النسخة التي نريد أن نكونها، والتي نريد أن يرانا الآخرون عليها في اللحظات التي تهمّ فيها أكثر ما يهمّ: الشجاعة، والعدل، والفضول، والرحمة، والقوة الكافية لعدم الانضمام إلى القسوة. وهي النسخة التي تتوقّف قبل النشر، وتطرح السؤال قبل الافتراض، وتتجه نحو الكرامة بدل الاحتقار، وتفهم أن الانتماء ليس مورداً نادرًا.
وكان على «شارع سمسم» إغلاق قسم التعليقات لأن اللطف تجاه الأمريكيين اليهود استدعى الكراهية. وهذه اللحظة المؤلمة التي يمكن التعلّم منها تبيّن ما يحدث حين لا يُزرع التعاطف. فالطفل يراقب. ويتعلّم مما ندين، وما نبرّر، وما نضحك عليه، وما نوقفه، وما نصلحه. والمهمة أمام الوالدين ليست تربية أطفالٍ لا يشعرون أبداً بالغضب أو الخوف أو الألم، بل تربية أطفالٍ يعرفون ماذا يفعلون بهذه المشاعر: أطفالٍ يستطيعون قول الحقيقة دون كراهية، والوقوف دون تجريدهم من إنسانيتهم، ورفض إطالة دورة الكراهية القديمة.
آخر الأخبار

63% من البريطانيين يستخدمون الذكاء الاصطناعي.. لكن 51% يرفضونه للتسوق

«كايتي غيليس»: «النجاة الجيدة» بعد الصدمة ليست انتصاراً أخلاقياً بل

السعادة كنتاجٍ لا كهدفٍ: الفلسفة القديمة تُعيد تعريف المفهوم


