Daily Beirut

ثقافة ومجتمع

السعادة كنتاجٍ لا كهدفٍ: الفلسفة القديمة تُعيد تعريف المفهوم

تؤكد مقالة نيل بيرتون أن السعادة شعور عابر وليس حالة دائمة، وتستند إلى تحليل لغوي وفلسفي يُبرز الفرق بين «السعادة» الإنجليزية و«الفِلِيز» الإسبانية و«اليودايمونيا» اليونانية.

··قراءة 2 دقيقتان
السعادة كنتاجٍ لا كهدفٍ: الفلسفة القديمة تُعيد تعريف المفهوم
مشاركة

يطرح الكاتب نيل بيرتون، الحاصل على درجة الماجستير في الآداب والدكتوراه في الطب، سؤالاً جوهرياً: هل توجد السعادة فعلاً؟ والإجابة، وفق المقال المنشور في ١٨ سبتمبر ٢٠٢٦، هي نعم — لكنها ليست حالةً دائمة أو هدفاً يمكن التحكم فيه، بل شعورٌ عابرٌ يظهر كنتاجٍ طبيعي لحياةٍ مُمارسةٍ بصدقٍ وعمقٍ.

أصل الكلمة ودلالة الحظ

يُشير بيرتون إلى أن مشكلة مفهوم السعادة تنبع جزئياً من أصل الكلمة نفسها في اللغة الإنجليزية. فالكلمة «happy» مرتبطةٌ بالفعل «happen»، الذي يعود إلى الجذر النرويجي القديم «happ»، ويعني الحظ أو المصير. وبذلك، تشبه السعادة في دلالتها الحظَّ الذي يحلُّ بالإنسان دون سابق إرادةٍ أو استحقاقٍ، ويأتي ويذهب دون استئذانٍ.

السعادة كمؤشر أداء خاطئ

وبما أن السعادة شعورٌ عابرٌ، فإن جعلها الهدف الرئيسي للحياة يحوّل الإنسان إلى مراقبٍ دائمٍ لنفسه: «هل أنا سعيد الآن؟ وهل أنا أكثر سعادةً مما كنت عليه بالأمس؟ وهل أنا سعيدٌ مثل ما يبدو عليه أصدقائي؟». وكلما زاد هذا التدقيق الذاتي، زادت الاستياء الذاتي والانشغال بالنفس، وتحولت السعادة إلى مؤشر أداءٍ يُقاس به النجاح الشخصي — مؤشرٌ يُكتشف غالباً ناقصاً.

من السعادة إلى الازدهار

ويقارن الكاتب بين الدلالة الإنجليزية والدلالة الإسبانية لكلمة السعادة. فكلمة «feliz» تعود إلى الجذر اللاتيني «felix»، الذي كان يعني في الأصل الخصب أو الإثمار أو الإنتاجية. أما في اليونان القديمة، فقد رفع الفلاسفة السقف أعلى، فاستخدموا مصطلح «اليودايمونيا» (eudaimonia) ليعبّروا عن المثل الأعلى للحياة، والذي لا يُترجم بدقةٍ إلى «السعادة»، بل إلى «الازدهار» أو «الحياة المزدهرة».

اليودايمونيا كنشاطٍ حيوي

ويوضح بيرتون أن «اليودايمونيا» عند أرسطو ليست مزاجاً أو حالة نفسية، بل نشاطٌ مستمرٌ طوال العمر، يقوم على تنمية واستخدام أفضل ما في الإنسان: العقل، والحكم، والشخصية. وهي لا تُختزل إلى إنتاج حالة ذهنية مريحة لكنها سطحية. ولذلك، قد تحتوي الحياة المزدهرة على قدرٍ كبيرٍ من المعاناة، كالحزن، والصراع، والتضحية — وهي عناصر قد تكون جزءاً لا يتجزأ من أعظم إنجازات الإنسان وعلاقاته.

ما لا يمكن انتزاعه من الإنسان

ويستشهد الكاتب بموقف سقراط النهائي، حين حكم عليه أهل أثينا بالإعدام وطلبوا منه شرب الهيمлок. فبينما استطاعوا إنهاء حياته الجسدية، لم يستطيعوا انتزاع جوهر شخصيته أو جودة طريقته في العيش. بل إن موته، بحسب المقال، لم يُضعف فلسفته، بل أكّد عليها، وجعل حياته مثالاً يُحتذى به للبشرية جمعاء.

السعادة تظهر حين لا نبحث عنها

ويخلص بيرتون إلى أن السعادة تظهر في اللحظات التي نكون فيها غارقين تماماً في فعلٍ ما: صداقةٌ عميقة، منظرٌ طبيعيٌّ يأسر العين، قطعة موسيقية تلامس الروح، أو عملٌ صعبٌ لكنه ذي معنى. وفي تلك اللحظات، لا نقف منفصلين عن الحياة لنتأملها أو نقيّمها، بل نعيشها بكامل وجودنا. ومن هنا، فإن السعادة موجودةٌ فعلاً، لكنها تنشأ كنتاجٍ ثانويٍّ، لا كهدفٍ أوليٍّ نسعى إليه مباشرةً.

وبالتالي، بدل أن نسأل أنفسنا باستمرار: «هل أنا سعيد؟»، يقترح الكاتب أن نوجّه سؤالنا نحو ما هو أعمق: «هل أعيش حياةً جيدة؟» و«ما الذي أصبح عليه شخصي مع مرور الزمن؟»، مستشهداً في ذلك بكتاب أرسطو «الأخلاق النيقوماخية»، الكتاب الأول، الفصل السابع.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة