ثقافة ومجتمع
ينبّه خبير تربوي إلى أن التصنيف السلبي للسلوك الطفل — كأن يُوصف بأنه «كثيرٌ جدًّا» أو «غير كافٍ» — يُضعف إحساسه بالذات، ويُرسّخ حبًّا مشروطًا لا يخدم نموه النفسي.

يُبرز د. لورنس جيه. كوهين، مؤلف كتاب «الوالدية المرحة»، في مقالٍ نُشر في الثاني من آب/أغسطس 2026، أثر التقييمات السلبية المتكررة التي يواجهها الأطفال بشأن سماتهم الشخصية وسلوكياتهم اليومية. ويشير إلى أن هذه التصنيفات تُضعف الإحساس بالذات لدى الطفل وتُشكّل أساسًا لعلاقة حبٍّ مشروطة.
يوضّح الكاتب أن عبارات مثل «أنت صاخبٌ جدًّا» أو «غاضبٌ جدًّا» أو «عاطفيٌّ جدًّا» أو «بحاجةٍ مفرطةٍ للرعاية» أو «ملتصقٌ جدًّا» أو «مسيطرٌ جدًّا» أو «حساسٌ جدًّا» أو «شاكٍ جدًّا» أو «خجولٌ جدًّا» أو «حديثٌ جدًّا» أو «ذو طاقةٍ زائدةٍ وخيالٍ نشيطٍ جدًّا» تُوجَّه للأطفال باستمرار. كما يشير إلى تعابير أخرى تُسمع في البيوت مثل: «اسكت!» أو «اذهب بعيدًا!» أو «توقف عن التصرف كطفلٍ صغير!» أو «اذهب إلى غرفتك حتى تبتسم!» أو «لا أستطيع التعامل معك الآن!».
ويضيف أن بعض الأطفال يسمعون عبارات تُوحي بأنهم «غير كافين»، مثل: «أنت كسول» أو «لا تحقق إمكاناتك» أو «غير مهذّبٍ بما يكفي» أو «غير ناضجٍ بما يكفي» أو «غير اجتماعيٍّ بما يكفي» أو «غير مسؤولٍ بما يكفي» أو «غير تعاونيٍّ بما يكفي» أو «غير مجتهدٍ بما يكفي» أو «هادئٌ جدًّا». كما يشير إلى ضغوطٍ تُمارَس عليهم لإجابة الأسئلة أو الاعتذار أو تبرير سلوكهم أو الانضمام إلى أقرانهم فورًا.
ويوضح أن الأطفال يأخذون هذه العبارات على محمل الجد، فيسعى البعض منهم جاهدًا لتغيير سلوكه ليكون «أقلّ» أو «أكثر» وفق ما يطلبه المربّون، بينما يستسلم آخرون أو يرفضون هذه المطالب رفضًا قاطعًا. ويعتمد الكاتب في تحليله على أفكار عالم النفس الكندي غوردون نيفيلد، الشريك في تأليف كتاب «تمسك بأبنائك» مع غابور ماتيه، الذي يركّز على أن اعتبار الطفل «كثيرًا جدًّا» أو «غير كافٍ» يوحي له بأن الحب المقدّم له مشروطٌ بسلوكه اللحظي — وهو شرطٌ غير عادل، لأن هذا السلوك غالبًا ما يكون مدفوعًا بمشاعر خارجة عن سيطرته الواعية.
ويؤكد نيفيلد أن الحب غير المشروط هو الشرط الأساسي للنضج والتطور النفسي، ويورد مقولةً له مشهورةً تقول: «لا يجب أن يعمل الأطفال أبدًا من أجل الحب؛ بل يجب أن يستريحوا فيه». ويوضح الكاتب أن محاولة الطفل تجنّب أن يكون «كثيرًا جدًّا» أو «غير كافٍ» هي مثالٌ صارخٌ على «العمل من أجل الحب». ويضيف أن الشروط المرتبطة بهذا النوع من الحب تكون في الغالب مستحيلة التحقّق: كأن يُطلب من الطفل أن يكون هادئًا لكن ليس هادئًا جدًّا، أو أن يعبّر عن مشاعره بطريقة لطيفة، أو أن يهتم بمظهره دون أن يبالغ في ذلك، أو أن يكون ذكيًّا دون أن يبدو متعاليًا، أو ألا يكون مهيمنًا أو خجولًا جدًّا، أو ألا يجلس بلا حراك أو يقفز على الجدران، أو أن يخاف من الغرباء والسيارات دون أن يمتلئ خوفًا.
ويقرّ الكاتب بأن الآباء والمعلّمين ومقدّمي الرعاية ليسوا الوحيدون الذين يطلقون هذه العبارات، بل إن كثيرين من القرّاء قد استخدموها مع أبنائهم. ولقطع هذه الحلقة، يقترح خطوتين رئيسيتين: الأولى تتعلق بالتعامل مع الذات، حيث يوصي بكتابة رسالةٍ إلى الشخص الذي غرس في الطفولة فكرة أن الفرد «كثيرٌ جدًّا» أو «غير كافٍ» — وهي رسالةٌ شخصيةٌ لا تُرسل، بل تُكتب للشفاء الذاتي، وتتضمن وصف تأثير تلك العبارات، وإعلان أن الكاتب «مناسبٌ تمامًا» ويستحق الحب غير المشروط. ويمكن بدلًا من ذلك كتابة الرسالة إلى «شخصية داخلية» تمثّل فكرة «الكثرة الزائدة» أو «النقصان»، وطلب تقاعدها.
أما الخطوة الثانية فهي تتعلق بالتعامل مع الأطفال، وتبدأ بالانتباه إلى اللحظة التي يوشك فيها المرء على إطلاق إحدى هذه العبارات، أو الاعتذار عنها فور إدراك الخطأ وإعادة الصياغة. ويشجّع على استخدام عبارات تبدأ بكلمة «أنا» مثل «أشعر…» أو «أحتاج…» بدلًا من اللغة الرافضة. كما يقترح استبدال «وقت الانعزال» بـ«وقت التقارب» عبر العناق أو الحوار أو التعاطف الدافئ، لأن ذلك يعبّر عن الحب غير المشروط بشكلٍ أوضح من عبارات مثل «أنا أحبك، لكن…». ويختتم بتذكيرٍ جوهري: «إن الطفل ليس كثيرًا جدًّا، ولا قليلًا جدًّا، بل هو مناسبٌ تمامًا — وكذا كان أنت يومًا.»
العالم
العالم
العالم
العالم