مقالات

"ليست رمّانة، بل قلوب مليانة"، هذه هي حال العلاقة التي انفجر صاعقها أخيراً بين مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ومديره العام محمد كركي، وما التعميم الذي أصدره الأخير، وحظر فيه على المستخدمين إعطاء معلومات أو التواصل مع أعضاء مجلس الإدارة قبل أن تلغيه هيئة المكتب، إلا ترجمة لهذا الخلاف الذي تخترق أصداؤه جدران غرفة اجتماعات مجلس الإدارة وتحديداً في كل مرة يبحث فيها موضوع الموازنات الإدارية.
صحيح أن الخلافات بين الجانبين ليست جديدة، وخصوصاً، كما أسلفنا، حيال الموازنات العامة والإدارية التي لم يقرّها مجلس الإدارة منذ عام 2019 وصولاً الى موازنة عام 2022 التي أسقطها، لأن "المدير العام يمتنع عن تطبيق القانون 66 والمادة 62 منه"، وفق ما تؤكد مصادر مجلس الإدارة. ولكن الخلاف الأبرز الذي "قصم ظهر" العلاقة وجعلت المدير العام يستشيط غضباً هو وفق ما تقول المصادر عينها "امتناع كركي عن سداد النفقات المتعلقة بثمن الادوية والمستحضرات الصيدلانية للمضمونين بحسب التعرفة المقرّة وفقاً للقانون"، بحجة أنه "ليس لدى الضمان الاموال الكافية لتغطية هذه النفقات".
فالضمان الذي يسهم بنحو 80% من سعر الأدوية، لا يزال يحتسب النسبة على سعر التعرفة القديمة، في الوقت الذي تضاعفت فيه أسعار الدواء أضعافاً مضاعفة. على سبيل المثال "الدواء الذي كان سعره 100 ألف ليرة كان الضمان يسهم بـ80 ألف ليرة من ثمنه، أما حالياً فأصبح سعره مليون ليرة فيما لا تزال مساهمته 80 ألف ليرة، وهو "أمر مخالف للقوانين والمراسيم ومخالف للأنظمة". ويأتي ذلك، على الرغم "من المراجعات المتكررة ومطالبة المدير العام لأمانة سر الصندوق بالتقيد بالقانون وبرفع الغبن اللاحق بالمضمونين نتيجة حرمانهم حقهم باسترداد النفقات الناجمة عن ثمن الأدوية والمستحضرات الصيدلانية المدرجة على لائحة الأدوية التي يعتمدها الصندوق والتقيّد بجدول أسعار الأدوية التي يضعها وزير الصحة بناءً على المادة 80 من القانون رقم 367 تاريخ 1/7/1994 الباب السابع تسعير الأدوية". فالمادة 80 تنص على الآتي: "يضع وزير الصحة بقرار يصدر عنه تعرفة بيع المستحضرات الصيدلانية الجاهزة ويصار الى وضع أسس تسعير الأدوية بموجب لجنة مؤلفة بقرار من وزير الصحة… تضع وزارة الصحة دليلاً بالمستحضرات الصيدلانية المرخصة… لا يجوز بيع دواء في لبنان خلافاً لما هو مسجّل في هذا الدليل وبالسعر الرسمي المحدد من وزارة الصحة".
أمام هذا الواقع، طلب 6 أعضاء من مجلس الإدارة (رفيق سلامة، بطرس سعادة، جوزف يوسف، غسان غصن، فضل الله شريف، منير طبارة) عقد جلسة استثنائية لمجلس الإدارة لبحث الموضوع إنصافاً للمضمونين الذين لا يحصلون من الصندوق إلا على فتات الفتات من قيمة فاتورة الدواء.
وأكد الاعضاء الستة في كتاب وجهوه الى المدير العام "حصرية الصلاحية لوزارة الصحة في تسجيل المستحضرات الصيدلانية وتحديد أسعار الأدوية، وأنه ليس لإدارة #الضمان الاجتماعي أو أي جهة أخرى، ولأيّ سبب كان، أن تضيف الى لائحة الأدوية دواءً غير مسجّل في وزارة الصحة أو تسعر الدواء استنسابياً وفقاً لحساباتها ومصالحها على حساب حقوق المضمونين، ما يشكل انتهاكاً جسيماً للقانون واعتداءً سافراً على حقوق المضمونين وإثراءً غير مشروع من جيوبهم".
ويحدد قانون الضمان الاجتماعي ولا سيما الأحكام العامة المتعلقة بضمان المرض والأمومة والنظام الطبي، بشكل صريح بعيداً عن التأويل والاجتهاد مقدار مساهمة الصندوق والأشخاص المضمونين. وذلك بناءً على ما نصت عليه صراحة المادة 20 من قانون الضمان: "يعيّن مجلس الوزراء بمرسوم يُتّخذ بناءً على اقتراح وزير العمل وإنهاء مجلس الإدارة مقدار مساهمة الأشخاص المضمونين في تكاليف العناية الطبية المقدمة وفقاً لأحكام المادة 17 الفقرة 2 من هذا القانون".
كذلك حدّد المرسوم رقم 3685 تاريخ 22/6/93 مساهمة المضمون بـ20% بتكاليف العناية الطبية و10% في حالات الاستشفاء، وذلك على أساس جدول الأعمال الطبية والاستشفائية التي يقرّها مجلس الإدارة لهذا الغرض. باستثناء الأدوية والمستحضرات الصيدلانية التي تُدفع على أساس أسعارها الحقيقية وفقاً للائحة الأسعار التي تضعها وزارة الصحة، وهذا ما يلزم أمانة سر الصندوق التقيّد بأحكام القانون والأنظمة المرعيّة الإجراء.
ووفق الكتاب فإن "ما يزيد من فداحة الظلم اللاحق بالمضونين أن إدارة الضمان تستنكف عن تطبيق أحكام أنظمة الضمان خصوصاً النظام الطبي لا سيما المادة 26، وكذلك أحكام عقود المستشفيات لإلزامها التقيد باستقبال جميع المرضى المضونين وعدم استيفاء أي زيادة على تعرفة الاستشفاء، وكذلك دعوة اللجنة الاستشارية الطبية العليا وفقاً لأحكام المادة 115 من النظام الطبي لدرس جداول الأعمال الطبية ومراجعتها لتخفيف الأعباء الباهظة عن المضونين بحيث بات المرضى المضمونون رهينة المستشفيات و"تحت رحمة" تعرفتها الخيالية واشتراط الدفع نقداً بالدولار الأميركي تاركين المستشفيات على غاربها في ظل عدم مبالاة إدارة الضمان".
الكتاب الذي استند الى الصلاحيات التي اعطاها قانون الضمان لمجلس الإدارة من "صلاحيات تنظيمية واسعة في ما يتعلق بإدارته الداخلية وكذلك في ما يتعلق بتسيير مرفق الضمان إضافة الى الصلاحيات الإدارية والمالية فضلاً عن الصلاحيات الرقابية"، أكد أن "التقديمات معقودة حكماً، فيما تمتنع أمانة سر الصندوق عن إيفاء المضمونين حقهم باسترداد ثمن الأدوية والمستحضرات الصيدلانية وفقاً لأسعارها الحقيقية، خلافاً للقوانين والأنظمة المرعية الإجراء (لا سيما المادة 80 من القانون 367 تاريخ 1/7/1994 – الباب السابع تسعيرة الأدوية – وكذلك المادة 20 من قانون الضمان والرسوم رقم 3685 تاريخ 22/6/93 مساهمة المضمون بتكاليف العناية الطبية، وكذلك أحكام النظام الطبي لا سيما المواد 26 و51 و115". وهذا الامر "يلحق بالمرضى المضمونين الضرر الجسيم ويعرّض صحتهم للخطر نتيجة عدم قدرتهم على شراء الأدوية لمتابعة العلاج بسبب تعسف إدارة الصندوق وتجاوزها حد السلطة، إضافة الى إهمال المضمونين وتركهم فريسة للمرض على أبواب المستشفيات".
وبرأي أعضاء مجلس الإدارة الستة فإن الامتناع عن سداد النفقات المتعلقة بثمن الأدوية والمستحضرات الصيدلانية للمضمونين بحسب التعرفة المقرة وفقاً للقانون "يخالف أهداف الضمان الاجتماعي والغاية التي قام من أجلها وهي الضمانة المعطاة لكل فرد لكي تتوافر لديه، في شتى الظروف، الوسائل الضرورية للعيش الكريم له ولعائلته. وهو ما يحقق الأمان الاجتماعي، والعدالة الاجتماعية".
لذا كانت دعوتهم الى "عقد جلسة استثنائية لمجلس الإدارة الموقر لمناقشة هذا الموضوع والطلب الى المدير العام لأمانة سر الصندوق وجوب التقيد بالقوانين النافذة ذات الصلة والأنظمة المرعية الإجراء، "درءاً للتصدعات التي باتت تهدد صندوق الضمان الاجتماعي وتضع الأمن الاجتماعي على شفير الهاوية".
سلوى بعلبكي-النهار