Daily Beirut

ثقافة ومجتمع

التأجيل سلوك شائع يُعيق الأداء الأكاديمي واليومي

يشرح ستيفن غرينسبان أسباب التأجيل الشائعة مثل الإحباط والكمال المفرط والتشتت، ويعرض خمس استراتيجيات عملية للحد منه، منها تقسيم المهام وقبول النقص وسحب الأجهزة.

··قراءة 4 دقائق
التأجيل سلوك شائع يُعيق الأداء الأكاديمي واليومي
مشاركة

يُعَدّ التأجيل سلوكاً شائعاً جداً يؤثر سلباً في الأداء الأكاديمي والوظيفي والحياتي اليومي. وعلى الرغم من أنه ليس اضطراباً نفسياً رسمياً، فإنه قد يعكس عمليات شخصية غير تكيفية، وينشأ عن أسباب متعددة تتداخل أحياناً في حالة واحدة.

جذور التأجيل وتنوع مظاهره

يُشتق مصطلح «التأجيل» من الكلمة اللاتينية التي تعني «غداً»، وهو ما يعبّر بدقة عن طبيعة السلوك: تأجيل المهمة إلى وقت لاحق. وتشير الدراسات إلى أن نحو 90% من طلاب الجامعات يعترفون بوجود ميول تأجيلية لديهم، بينما يبلغ معدل الحالات الشديدة نحو 25%، وهي نسبة تجعل من الصعب على هؤلاء الطلاب إكمال دراستهم والحصول على الشهادة الجامعية. أما في الحياة اليومية، فإن أبرز مظاهر التأجيل تشمل العجز عن التخلص من الفوضى، وقد تصل إلى درجة الاكتناز في أشد حالاته. كما يشمل التأجيل تأجيل المحادثات الصعبة، أو دفع الفواتير، أو إنجاز المهام الوظيفية.

ويُصنّف التأجيل كـ«علة سلوكية» لأنّه يمثل نمطاً من تجنّب المهام يؤدي إلى عواقب غير مرغوب فيها، كالتعرض للمشاكل الأكاديمية أو فقدان السيارة بسبب التأخر في السداد أو حتى الفصل من العمل. ومع ذلك، لا يُدرج ضمن الاضطرابات النفسية الرسمية، رغم كونه عرضاً رئيسياً في بعض الاضطرابات مثل الاكتئاب.

أسباب رئيسية تدفع إلى التأجيل

لا يرتبط التأجيل بعامل واحد فقط، بل قد يتداخل أكثر من سبب في حالة تأجيل معينة. كما أن التأجيل يختلف باختلاف الوقت والمهمة، إذ يمكن لشخصٍ ما أن يؤجل مهمةً ما في يومٍ معين أو في سياقٍ معين، بينما ينجز مهمات أخرى دون تأخير.

ومن أبرز الأسباب الثلاثة الموثقة:

أولاً، الإحباط أو «الإرهاق النفسي»: وينجم عن الشعور بالانغمار في حجم المشروع، كأن يواجه الشخص منزلاً في حالة فوضى بالغة، فيشعر بعدم قدرته على إنجاز المهمة، فيتوقف قبل حتى البدء. وتُشير عالمة الأعصاب الفنلندية الدكتورة آينو ماكينن إلى هذه الحالة باسم «شلل حلقة القرار»، حيث يبدأ الدماغ في معالجة المهمة ثم يُغلق بسبب تحمّله تقييم عدد كبير جداً من الخيارات في وقت واحد.

ثانياً، الكمال المفرط: فبينما يعكس السبب الأول نقص الثقة في القدرة على الإنجاز، فإن هذا السبب يعكس تقديراً مرتفعاً للذات وقدرتها، لكنه يؤدي إلى التأجيل بسبب الخوف من عدم بلوغ المعيار الذاتي المرتفع، ما يولّد قلقاً مُعطِّلاً عند محاولة إنجاز أي عمل، كالكتابة أو إعداد تقرير.

ثالثاً، التشتيت: فالمهام المعرّضة للتأجيل تتطلب عادة جهداً مستمراً، بينما يفتقر كثير من المُؤجّلين، ولا سيما من يعانون اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD)، إلى القدرة على الحفاظ على التركيز لفترة كافية لإتمام المهمة. ومن العوامل الحديثة المُساعِدة على التشتيت وجود الهاتف المحمول باستمرار، الذي يقدّم إغراءً دائماً بالانشغال بنشاطات ممتعة بديلة.

كذلك، قد تنشأ أشكال أخرى من التأجيل عندما تكون المهمة نفسها غير مُرضية، أو عندما تفقد أهميتها مع مرور الوقت، أو عندما تصبح مرفوضة ذاتياً، فيلجأ الشخص حينها إلى التأجيل كوسيلة تدميرية غير واعية للمهمة، دون اتخاذ قرار صريح بإنهائها.

استراتيجيات عملية للحد من التأجيل

تتعدد الطرق الممكنة للتخفيف من التأجيل، وفي ما يلي خمس طرق مُجرّبة ومبنية على الأسباب السابقة:

الأولى: الطريقة الفنلندية، التي تستند إلى مفهوم «شلل حلقة القرار»، وتقوم على تقسيم المهمة الكبرى إلى مهام دقيقة جداً، كأن يلتزم الشخص يومياً بترتيب سطح المطبخ فقط لمدة دقائق معدودة، بدلاً من محاولة تنظيف المنزل كاملاً دفعة واحدة. وبمرور الوقت، يتحول التنظيم إلى عادة، وتبدو الأهداف الضخمة أقل إرهاقاً وأكثر قابلية للإنجاز والاستدامة.

الثانية: قبول النقص، وهي استراتيجية استخدمها الكاتب نفسه في مساره المهني، بعد أن كان يعاني من تأجيل الكتابة خوفاً من النقد. واعتمد في ذلك على العلاج العقلاني الانفعالي (شكل من أشكال العلاج السلوكي المعرفي)، من خلال طرح أسئلة مثل: «أين ورد في أي مكان أن لغيري وحده الحق في إنتاج أعمال رديئة؟» و«لماذا يكون أمراً كارثياً أن يرى أحدٌ عملي كتابةً رديئة؟». وبمجرد تقبّل فكرة أن النقص جائز، يصبح الإنجاز ممكناً دون تردد في الحكم الذاتي.

الثالثة: منهج بارتلبي، المستمد من رواية هيرمان ملفيل «بارتلبي الكاتب» عام 1853، حيث يعلن البطل فجأة «أفضّل ألا أفعل» عند طلب نسخ وثيقة قانونية. وبينما يبالغ بارتلبي في هذا الموقف إلى حد رفض الطعام، فإن الفكرة الأساسية — وهي جواز إنهاء نشاطٍ لا يُرضي المرء — تحمل صحة جزئية. لكن المشكلة تكمن في أن المُؤجّلين المزمنين يتخذون قرار «التوقف» بشكل متكرر جداً، لذا يجب التمييز بين الانسحاب الذي يعبّر عن القيم الذاتية الحقيقية، وبينه كآلية تجنّب غير تكيفية تُعمّق التأجيل بدل إنهائه.

الرابعة: سحب الأجهزة، أي اعتماد سياسة تقييد استخدام الهاتف أو غيره من الأجهزة الرقمية، بحيث لا يتم التحقق منها إلا في فترات متباعدة جداً. لكن تطبيق هذه الاستراتيجية يبقى صعب المنال عملياً بالنسبة للكثيرين.

الخامسة: الأدوية الموصوفة طبياً، وهي مخصصة لمن يعانون اضطرابات تنظيمية مثل اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة، حيث قد يُوصف لهم دواء مثل الميثيلفينيديت (ريتالين) تحت إشراف طبي.

وختم الكاتب مقاله بجملة موجزة وجامعة قالها لطلابه ولنفسه: «التأجيل مملٌّ. فقط افعله.»

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة