Daily Beirut

ثقافة ومجتمع

الخجل ليس عيبًا: دراسات تربطه بالتعاطف والاهتمام بالآخرين

أظهرت أبحاث متعددة أن الشعور بالحرج أو التوتر الاجتماعي ليس دليلًا على ضعف المهارات الاجتماعية، بل هو مؤشر على ارتفاع مستوى التعاطف والانضباط الذاتي تجاه القواعد الاجتماعية.

··قراءة 4 دقائق
الخجل ليس عيبًا: دراسات تربطه بالتعاطف والاهتمام بالآخرين
مشاركة

يُعد الخجل الاجتماعي من أكثر التجارب الإنسانية انتشارًا، لكنها في الوقت نفسه من أكثرها إيلامًا بصمت. ورغم شيوعها، فإن الدراسات العلمية الممتدة على عقود كشفت أن هذا الشعور لا يعكس نقصًا في الكفاءة الاجتماعية أو عيبًا شخصيًّا، بل هو نافذةٌ تكشف مدى عمق ارتباط الإنسان بحاجته إلى الانتماء والاعتراف الاجتماعي.

ما وراء مفهوم «الحرج»

في دراسة محورية أجراها عالم النفس رولاند ميلر، وُجد أن الأشخاص الذين يشعرون بالحرج بسهولة ليسوا أقل مهارة اجتماعية من غيرهم. الفارق الجوهري لا يكمن في قدرتهم على التفاعل، بل في شدة اهتمامهم بما إذا كانت سلوكياتهم «مناسبة»، وفي دافعيتهم العالية لتجنب الاستنكار. وبيّنت الدراسة أن الخجل (shyness) والقابلية للحرج (embarrassability) ظاهرتان مختلفتان تمامًا: فالخجل مرتبط بانخفاض الثقة بالنفس في السياقات الاجتماعية، بينما القابلية للحرج مرتبطة بالاهتمام — ربما المفرط — بالسلوك «الصحيح» أمام الآخرين. وبذلك، يمكن لشخصٍ ماهر اجتماعيًّا أن يشعر بالحرج باستمرار، لأنه حساسٌ جدًّا لكل قاعدة غير مكتوبة تحكم التفاعل في الغرفة.

لماذا تبدو الهفوة الصغيرة ككارثة؟

إذا كان الخجل نابعًا من الاهتمام، فإن شدة الألم الناتج عنه تعود إلى ما نعتقد أنه معرضٌ للخطر. ودرس ديفيد موسكوفيتش وزملاؤه كيفية تقييم الأشخاص للهفوات الاجتماعية — مثل التعثر على الدرج، أو نطق اسمٍ بشكل خاطئ، أو سرد نكتة تليها صمتٌ محرج. ووجد الباحثون أن ذوي القلق الاجتماعي يبالغون بشكل منهجي في تقدير عواقب هذه اللحظات: فهم يتوقعون أحكامًا أقسى، وذكريات أطول، وانعكاسات أعمق على العلاقات ممّا يحدث فعليًّا. وكان هذا المبالغة موجودًا حتى عندما تخيل المشاركون أن شخصًا آخر ارتكب الهفوة. أي أن المشكلة ليست تشويهًا في صورة الذات، بل هي اعتقادٌ بأن المعايير الاجتماعية عاليةٌ جدًّا وصارمةٌ، وأن هناك «كودًا» اجتماعيًّا ثابتًا، وأن انتهاكه يُعرّض المرء لعقابٍ حقيقي. ومن ثم، لا تبدو الهفوة الصغيرة صغيرةً حين يُمسك المرء بهذا الاعتقاد، بل تبدو دليلًا على فشله في اختبارٍ يجتازه الجميع سواه.

ظاهرة «الحرج بالنيابة» وآليتها العصبية

من أكثر الظواهر إثارةً في هذا المجال هو شعورنا بالانقباض عند مشاهدة لحظة محرجة لشخصٍ آخر — حتى لو كان غريبًا أو شخصية خيالية. ويُعرف هذا باسم «الحرج بالنيابة»، وهو ما يُلاحظ في ردود فعل المشاهدين أثناء مشاهدة مشاهد محرجة في المسلسلات الكوميدية. وقد بيّنت أبحاث أعدها عالم الأعصاب شيسي تاي وفريقه أن هذه الظاهرة تعكس عمليًّا آلية التعاطف العاملة في الدماغ. وحدد الفريق نظامين مختلفين للتعاطف: الأول هو التعاطف العاطفي، الذي يتمثل في المشاركة التلقائية لمشاعر الآخر، ويتضمن مناطق دماغية مثل اللوزة والقشرة الجسرية. والثاني هو التعاطف المعرفي، الذي يمثل العمل الواعي لاتخاذ منظور الآخر، ويتضمن مناطق مرتبطة بالتفكير التأملي. ولدى معظم الناس، يعمل النظامان معًا. لكن الباحثين وجدوا أن لدى الأشخاص الذين يهيمن عليهم الخوف من إحراج الآخرين، يميل التوازن نحو العدوى العاطفية الخام، على حساب أخذ المنظور التأملي. وهذا الاختلال يجعل المواقف المحرجة أكثر صعوبة في المعالجة وأكثر إرهاقًا. وبعبارة أخرى، فإن «الانقباض» في هذه الحالات هو تعاطفٌ يعمل بدرجة حرارة أعلى من المعتاد.

تفكيك العلاقة بين الخجل والقلق والانطوائية

يخلط الاستخدام اليومي لهذه المصطلحات بينها، وكذلك تفعل بعض الدراسات العلمية إلى حدٍ ما. فعندما درست كريستينا بروك وتينا ويلوبي عشرة استبيانات مختلفة لقياس الخجل والقلق الاجتماعي، وجدتا أن كلا المفهومين يدوران حول محورٍ واحدٍ أساسي: الخوف من التقييم السلبي، والوعي الذاتي المفرط، والرهبة من التدقيق. أما ما تميّز حقًّا كمفهومٍ منفصلٍ فهو «الانفتاح الاجتماعي» (sociability)، أي الرغبة البسيطة في التواجد مع الآخرين. ويمكن للمرء أن يشتهي التواصل مع الآخرين، ومع ذلك يخشى الحكم عليه. وهذه التركيبة — الرغبة في القرب مع الاستعداد للرفض — قد تكون المحرك العاطفي الأساسي لكثيرٍ مما نسميه «الحرج».

متى يتحول الخجل إلى حالة سريرية؟

للأغلبية، يبقى الخجل ألمًا عابرًا. لكن لدى البعض، يصبح الخوف من الإحراج عاملًا تنظيميًّا في الحياة، ومقيّدًا لها. وفي أقصى حالاته السريرية، يُعرَّف اضطراب الشخصية التجنبية بأنه اضطراب يتميز بتثبيط اجتماعي منتشر، ومشاعر بعدم الكفاية، وحساسية مفرطة تجاه النقد — بما في ذلك تجنّب الأنشطة الجديدة تحديدًا لأنها قد تؤدي إلى الإحراج. وهناك أيضًا أدلة ناشئة تشير إلى أن التجارب المحرجة يمكن أن تترك آثارًا طويلة الأمد. إذ تشير الأبحاث إلى أن الهفوات العرضية غير العدائية قد تثير ردود أفعال تشبه تلك التي تسببها التنمر، وأن هذه الردود قد تغذي القلق الاجتماعي لاحقًا. وبعبارة أخرى، فإن اللحظات المحرجة ليست دائمًا تافهة.

كيف نتعايش مع الشعور بالحرج؟

تقدم الأبحاث إعادة صياغة جوهرية لهذا الشعور: فالحرج ليس دليلًا على أنك «غير جيد» في التعامل مع الآخرين، بل هو في الغالب دليلٌ على أنك تهتم بهم. وهذا يشمل الاهتمام بالقواعد الاجتماعية المُدرَكة، ومزاج الآخرين، وراحتهم. ولعل العلاج يكمن في اختبار هذا الاعتقاد بلطف: فمعظم الهفوات تُنسى خلال دقائق، ومعظم الناس مشغولون جدًّا بهفواتهم الخاصة أكثر من انشغالهم بهفواتك. كما أن احمرار الوجه الناتج عن الإحراج، وفق الأبحاث، يُرسل في الواقع إشارات إلى الآخرين تدل على أنك موثوقٌ به، وأنك تهتم بالعلاقة. وفي المرة القادمة التي تلوح فيها بيديك لشخصٍ خاطئ، قد يساعدك أن تتذكّر: إن «الانقباض» ليس عيبًا، بل هو ضميرك الاجتماعي يؤدي وظيفته. وفي الوقت نفسه، ربما تواصل التلويح. تبنَّه. اشعر به. كن محرجًا. الخبر الجيد أنك نجوت. والخبر السيئ أن دماغك قد يستحضره مجددًا عام ٢٠٣٤.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة