Daily Beirut

تكنولوجيا وعلوم

بحث كالفانو يُظهر أن خلايا السرطان تقتصر على حالات بيولوجية محددة

يُشير بحث أندريا كالفانو إلى أن خلايا الأورام قد تقتصر على عدد محدود من الحالات البيولوجية المستقرة، ما يفتح آفاقاً لعلاجات مركبة تستهدف هذه الحالات بدلاً من التركيز على الطفرات الجينية المتنوعة.

··قراءة 4 دقائق
بحث كالفانو يُظهر أن خلايا السرطان تقتصر على حالات بيولوجية محددة
مشاركة

أظهرت دراسات حديثة أجرتها مختبرات أندريا كالفانو أن خلايا الأورام لا تتحرك عشوائياً في فضاء جزيئي غير منظم، بل تقتصر في سلوكها على عدد ضئيل من الحالات الخلوية المستقرة، وهي حالة تشبه — وفق تعبير الباحث — التوزيع الكمّي للإلكترونات في الذرة. ويُعَد كالفانو، الأستاذ في كلية فاغيلوس للطب بجامعة كولومبيا، ومدير مركز «بايوهاب نيويورك»، فيصلاً بين الفيزياء النظرية وعلم الأورام السريري.

الحالات الخلوية المُتحفظة عبر المرضى

قال كالفانو، وهو أستاذ الكيمياء الحيوية في جامعة كولومبيا تحت اسم «كلايد ’٥٦ وهيلن وو»، إن البيانات المتكررة التي جمعها فريقه تشير إلى أن كل نوع سرطاني يحتوي على عدد محدود من الحالات الخلوية، وأن هذه الحالات محفوظة تقريباً لدى جميع المرضى المصابين بهذا النوع من السرطان. وشرح ذلك بالتشابه مع مبدأ الكم في الفيزياء: فكما تقتصر الإلكترونات على مستويات طاقة مُكمَّنة محددة داخل الذرة، فإن الخلايا السرطانية لا يمكنها اتخاذ سوى إحدى تلك الحالات المستقرة أو الانتقال السريع بينها فقط.

ورقتا «نيتشر جينيتكس» الجديدتان

دعمت ورقتان نشرا في مجلة «نيتشر جينيتكس» في ٢٢ أبريل و٢٦ أغسطس ٢٠٢٦ هذه الفرضية. الأولى، بعنوان «التصميم المنظّم للعلاج المركب عبر استهداف المنظمين الرئيسيين للحالات الخلوية المتزامنة في الورم العصبي المتوسط المنتشر»، تناولت سرطان الدماغ النادر عند الأطفال المعروف باسم «الغليوم المتوسط المنتشر». أما الثانية، بعنوان «عوامل النسخ التنموية والاستجابة لمسار MAPK تنظِّم حالات خلوية خبيثة متميزة واعتمادية جينية مرتبطة بها في سرطان البنكرياس»، فقد ركّزت على سرطان البنكرياس.

من الطفرات إلى الحالات الخلوية

تختلف منهجية كالفانو عن النهج التقليدي الذي يركّز على الطفرات الجينية. فبينما تُعد العلاجات الموجّهة مثل هيرسبتين نموذجاً للطب الشخصي القائم على الطفرات، يرى كالفانو أن هذا النهج يعالج جزءاً فقط من المرض. ويشير إلى أن العدد المحتمل لأنماط الطفرات في نحو ٢٠٠٠ جين مسبب للسرطان يتجاوز عدد ذرات الكون، ما يجعل الاستهداف المباشر لكل طفرة أمراً غير عملي. وبدل ذلك، يدرس الفريق ما تؤدي إليه تلك الطفرات من تغيير في الهوية الخلوية، إذ قد تؤدي مسارات جينية مختلفة إلى نفس الحالة الخلوية، وبالتالي إلى اعتماد مشترك على مجموعة محددة من البروتينات.

المنظمون الرئيسيون للخلية

يجمع مختبر كالفانو بيانات جزيئية من خلايا سرطانية حية، ويستخدمها لبناء نماذج رياضية تحدد البروتينات التي تتحكم في هوية الخلية، وليس مجرد تسجيل الطفرات الموجودة فيها. وتبرز في هذه النماذج بروتينات تُسمى «المنظمين الرئيسيين»، والتي تعمل معاً للحفاظ على الحالة الخبيثة. ويصف كالفانو هذه البروتينات بأنها «القادة العسكريون الذين يسيطرون على حالة الخلية»، موضحاً أن إيقاف عملها يؤدي إلى انهيار قدرة الخلية على الحفاظ على طبيعتها الخبيثة.

عدد محدود من الحالات في أنواع متعددة من السرطان

أظهر تحليل لأكثر من ١٠٠٠٠ عينة من أكثر من ٢٠ مجموعة سرطانية وجود ١١٢ حالة خلوية مميزة فقط. كما كشف تحليل الخلايا الفردية عن وجود سرطان واحد يحتوي على حالة واحدة فقط، بينما لم يُكتشف أي سرطان حتى الآن يحتوي على أكثر من سبع حالات. وهذه المحدودية تُشكّل نقطة ضعف مشتركة بين المرضى، إذ قد يعتمد ورمان مختلفان جينياً على نفس المنظمين الرئيسيين إذا كانت خلاياهما تشغل نفس الحالة.

ست حالات في سرطان البنكرياس

في دراسة نُشرت في ٢٦ أغسطس ٢٠٢٦، حلّل باسكوال لايسي وميكو تورونين وألفارو كورييل غارسيا مئات الآلاف من خلايا سرطان البنكرياس خليةً تلو الأخرى. ووجدوا أن كل ورم يحتوي على خلايا من نفس ست حالات، وأن الاختلاف بين المرضى لا يكمن في نوع الحالات الموجودة، بل في النسبة النسبية للخلايا في كل حالة منها. وأشار كالفانو إلى أن هذا التباين في النسب يبدو نتيجة تأثير الطفرات، ما يفسّر كيف تصل أورام ذات تركيبات جينية مختلفة إلى نتائج بيولوجية متشابهة.

لماذا لا يكفي دواء واحد؟

يوضح كالفانو أن وجود نفس الحالات في جميع المرضى يحمل خبراً إيجابياً: فلو تم اكتشاف عدد قليل من الأدوية التي تستهدف معاً كل هذه الحالات، فقد تكون هذه التركيبة فعّالة محتملةً لدى جميع المرضى. لكن الخبر السلبي هو أن خلايا سرطان البنكرياس قادرة على التحوّل التلقائي من حالة إلى أي حالة أخرى من الست، ما يعني أنه لا يمكن علاج هذا النوع بالاعتماد على دواء واحد فقط. فبعد تدمير دواء ما لخلايا في حالة معينة، قد تنتقل الخلايا الباقية إلى حالة أخرى وتُعيد بناء الورم.

تجربة علاج الغليوم المتوسط المنتشر

قد تُوفّر حالة «الغليوم المتوسط المنتشر»، وهو سرطان دماغي طفولي نادر وقاتل دائماً، فرصة لاختبار هذه الاستراتيجية. واستخدمت الطالبة الجامعية إيستر كالفو فرنانديز خوارزميات سريرية تُدعى «أونكو تريت» و«أونكو تارغيت» للبحث عن أدوية موجودة بالفعل يمكن أن تستهدف الحالات الخلوية السبعة المكتشفة في هذا السرطان. وحددت ثلاثة أدوية هي أفابريتينيب وروكسوليتينيب ولاروتريتينيب. وفي التجارب المخبرية التي نُشرت في ٢٢ أبريل ٢٠٢٦، تأكد أن كل دواء يهاجم الحالة التي تنبأت الخوارزمية باستهدافها. كما أظهرت جميع التركيبات الثنائية للأدوية — ما عدا واحدة — أداءً أفضل بكثير من استخدام الأدوية منفردة.

من النموذج الرياضي إلى التجربة السريرية

ويأمل الباحثون الآن في تقييم التركيبة الثلاثية الكاملة في تجربة سريرية. وعلى الرغم من أن الأدوية الثلاثة معتمدة بالفعل لاستخدامات أخرى، فإن سلامتها وفعاليتها كعلاج مركب لهذا السرطان لا تزال بحاجة إلى تأكيد في المرضى. ويؤكد كالفانو أن هدف الفريق النهائي هو تحويل التنبؤات النظرية إلى علاجات قابلة للتطبيق، مشيراً إلى أن التحليلات السابقة نجحت بالفعل في التنبؤ بعلاجات لمرضى فشلت لديهم خطوط علاجية متعددة. ويختم قائلاً: «نأمل أن يساعد تحديد الأدوية التي تستهدف الحالات السرطانية المُتحفظة بشدة والمُكمَّنة في مساعدة عدد أكبر كثيراً من المرضى».

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة