Daily Beirut
الطبعة·صحيفة مستقلة من بيروت

ثقافة ومجتمع

الأسباب والعوامل المؤدية للانسحاب الاجتماعي وتأثيراته الصحية

الانسحاب الاجتماعي هو تراجع عن التفاعل والأنشطة الاجتماعية وقد يشير إلى مشكلات صحية نفسية تتطلب استشارة مختصين.

··قراءة 5 دقائق
الأسباب والعوامل المؤدية للانسحاب الاجتماعي وتأثيراته الصحية
مشاركة

الانسحاب الاجتماعي هو حالة يتراجع فيها الفرد عن المشاركة في الأنشطة الاجتماعية والتفاعل مع الآخرين، وقد يكون ذلك مؤشراً على وجود مشكلة صحية نفسية، إلى جانب عوامل أخرى قد تسهم في حدوثه.

يُعرّف الانسحاب الاجتماعي بتجنب الأشخاص والأنشطة التي كان الفرد يستمتع بها سابقاً، ويختلف مدى شدته من انخفاض محدود في المشاركة الاجتماعية إلى عزلة كاملة.

تُعد الروابط الاجتماعية والعلاقات الشخصية ضرورية لصحة الإنسان ورفاهيته، حيث يرتبط ضعف الدعم الاجتماعي بمشكلات متعددة مثل الاكتئاب، والشعور بالوحدة، وأمراض القلب، وتعاطي المواد، والانتحار.

يظهر الانسحاب الاجتماعي بأشكال متنوعة، فقد يصبح بعض الأفراد أكثر تحفظاً في المواقف الاجتماعية، بينما يتجنب آخرون جميع التفاعلات الاجتماعية تقريباً.

من مظاهر الانسحاب الاجتماعي:

تجنب الأنشطة التي كانت محببة سابقاً، رفض الدعوات الاجتماعية، اختلاق الأعذار للبقاء وحيداً، التحدث أقل في المجموعات، تجنب المواقف التي يحضرها أشخاص جدد، عدم بدء المحادثات أو التهرب من الأسئلة المفتوحة، التردد في تجربة أشياء جديدة، الابتعاد عن المواقف غير المألوفة، اختيار الأعمال التي تتطلب العزلة، وتفضيل البقاء في المنزل والانخراط في أنشطة فردية.

تشير الأبحاث إلى وجود ثلاثة أنماط رئيسية للانسحاب الاجتماعي: الخجل، التجنب، وعدم الاجتماعية، مع معرفة مخاطر الخجل والتجنب بشكل أكبر مقارنةً بتأثيرات عدم الاجتماعية التي لا تزال أقل وضوحاً.

تشمل عوامل الخطر التي تؤدي إلى الانسحاب الاجتماعي عدة أسباب، منها الحالات الصحية النفسية مثل القلق والاكتئاب، حيث يُعتبر الانسحاب الاجتماعي عرضاً لهذه المشكلات.

في حال ترافق الانسحاب الاجتماعي مع أعراض أخرى تسبب ضيقاً أو تعطل الأداء اليومي، يصبح من الضروري استشارة طبيب أو أخصائي نفسي لتقييم الحالة وتحديد العلاج المناسب حسب طبيعة وشدة الحالة.

يُظهر الأشخاص الذين يعانون من الانسحاب الاجتماعي غالباً سمات الخجل، حيث قد يتجنبون المواقف الاجتماعية بسبب القلق أو الشعور بعدم الارتياح، وقد يُنظر إليهم على أنهم يعانون من نقص اجتماعي مما يؤدي إلى مزيد من الرفض والاستبعاد، وهو ما يعزز العزلة تدريجياً.

يمكن أن يكون الانسحاب الاجتماعي أيضاً رد فعل على الصدمات النفسية؛ إذ قد يشعر الناجون من الصدمات بالقلق أو الخوف أو الانغلاق في المواقف الاجتماعية، ويستخدمون الانسحاب كآلية دفاعية لتجنب المشاعر السلبية.

في بعض الحالات، ينجم الانسحاب عن تدني تقدير الذات، حيث يخشى الأشخاص الذين لا يقدرون أنفسهم كثيراً أن يكونوا عرضة للرفض أو الضعف أمام الآخرين، مما قد يزيد من أعراض القلق والاكتئاب ويفاقم الانسحاب.

تلعب الديناميات العائلية دوراً في الانسحاب الاجتماعي، إذ قد يبتعد البعض عن الأسرة أو الأحباء بسبب علاقات عائلية صعبة أو مسيئة، كما أظهرت دراسة عام 2020 أن الأفراد الذين يعانون من الانسحاب الاجتماعي لديهم معدلات مرتفعة من الديناميات العائلية المختلة، وتاريخ عائلي للأمراض النفسية، واضطرابات القلق، وتجارب الطفولة الصادمة بما في ذلك سوء المعاملة الأسرية.

قد يختار بعض الأشخاص الانسحاب ببساطة لأنهم يفضلون قضاء الوقت بمفردهم، كما هو الحال مع الأشخاص الانطوائيين الذين يحتاجون إلى وقت أكبر للانعزال مقارنةً بالمنفتحين اجتماعياً، لكن رفض الدعوات الاجتماعية بانتظام قد يُفسر على أنه رفض، مما يؤدي إلى عزلة متزايدة.

تشير الأبحاث إلى أن الوحدة المفرطة لها آثار صحية نفسية وجسدية خطيرة، وهو ما يُعرف بمفارقة العزلة، حيث يعزز الوقت المنفرد الإبداع والجوانب الذاتية لكنه قد يؤثر سلباً على الصحة العامة.

يلعب الرفض الاجتماعي دوراً في الانسحاب، إذ قد لا يرغب الأشخاص بالوحدة بحد ذاتها، بل يُرفضون من قبل أقرانهم لأسباب متعددة، منها التفاعلات السلبية، الاستبعاد من المجموعات الاجتماعية المسيطرة، التمييز العنصري أو العرقي أو الديني، الخجل، والسلوكيات الخارجية مثل العدوانية أو النشاط المفرط، كما هو الحال مع الأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.

تعد الخبرات الاجتماعية ضرورية لتطور الأطفال، غير أن الأطفال قد يمرون بفترات متفاوتة في مستوى اجتماعيتهم، وقد يشير الانسحاب إلى مشاكل مثل الاكتئاب أو القلق أو مشكلات مدرسية أو تنمر أو ضغط من الأقران، مما يستدعي التعرف المبكر على هذه العلامات وتقديم الدعم المناسب.

كما يشكل الانسحاب الاجتماعي مصدر قلق بين كبار السن، الذين قد يواجهون عزلة متزايدة مع التقدم في العمر بسبب التقاعد، فقدان الأحبة، العيش بمفردهم، أو التعامل مع أمراض مزمنة.

أظهرت تقارير من الأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب أن أكثر من 33% من الأشخاص فوق سن 45 يشعرون بالوحدة، وحوالي 25% من الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاماً يعانون من العزلة الاجتماعية.

يشير الباحثون أيضاً إلى أن التوتر النفسي قد يسهم في ظهور الانسحاب الاجتماعي، حيث يلجأ بعض الأفراد إلى الانسحاب كآلية للتكيف مع الضغوط النفسية، ويُظهر هؤلاء الأشخاص مرونة نفسية أقل، مما يجعلهم أقل قدرة على التكيف مع التغيرات وتحقيق الأهداف طويلة الأمد.

مع ذلك، غالباً ما يؤدي الانسحاب إلى تفاقم التوتر وتقليل قدرة الأفراد على التعامل معه بفعالية، إذ يقلل انخفاض التواصل الاجتماعي من الدعم العاطفي والعملي المتاح لمواجهة المواقف الضاغطة.

وُصف متلازمة الانسحاب الاجتماعي، المعروفة باسم "هيكيكوموري"، لأول مرة في اليابان، حيث يحبس الشخص نفسه في المنزل لمدة ستة أشهر أو أكثر مع تقليل شديد للتواصل مع الآخرين، وقد لوحظت هذه الظاهرة في دول وثقافات أخرى أيضاً.

رغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم أسباب وعلاجات "هيكيكوموري"، كشفت دراسة عام 2022 عن عدة مؤشرات حيوية أيضية مرتبطة بهذه المتلازمة قد تساعد في تحسين التشخيص والعلاج.

تشير مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها إلى أن الانسحاب الاجتماعي والعزلة يمكن أن يزيدا من خطر الوفاة المبكرة، والخرف، وأمراض القلب، والسكتة الدماغية، والاكتئاب، والقلق، والانتحار.

للتعامل مع الانسحاب الاجتماعي، يُنصح بتبني استراتيجيات مثل تعلم تقنيات الاسترخاء ومهارات التكيف لإدارة الخوف والقلق، مثل التنفس العميق، واليوغا، والتأمل الذهني، مما يقلل من الاعتماد على تجنب المواقف.

ينصح أيضاً باتخاذ خطوات صغيرة لقضاء الوقت مع أحبائك الموثوق بهم وطلب الدعم منهم عند بدء إعادة الانخراط في الحياة الاجتماعية، بالإضافة إلى الانضمام إلى مجموعات دعم الأقران التي تركز على مواضيع قد تكون مفيدة.

يمكن ممارسة تقنيات تثبيت الذات، مثل التركيز على الأشياء المحيطة، والشعور بدرجات الحرارة والملمس، والاستماع للأصوات، لمساعدة الشخص على العودة إلى اللحظة الحالية وتقليل القلق وتعزيز الهدوء في المواقف الاجتماعية.

من المهم أيضاً معاملة النفس برحمة وتعاطف، حيث يسمح التعاطف الذاتي بالاعتراف بالضيق والمعاناة دون محاولة تجنبها.

يُعد التحدث إلى أخصائي صحة نفسية أمراً ضرورياً، خاصةً عند وجود أعراض أخرى مثل القلق، فقدان الاهتمام، التعب، المزاج المنخفض، تعاطي المواد، أو أفكار الانتحار، حيث يمكن للمعالج تقييم الأعراض، وتشخيص الحالة، وتقديم العلاجات المناسبة لمواجهة سلوكيات الانسحاب.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة